أنا شاب نشأت في مجتمع (حي سكني) كان في السابق متعاونًا فيما بينه، ولا يوجد أي أثر للنفاق ولا الكبر ولا للأنانية فيه، ولكن منذ حوالي عام 2005 بدأ الوضع بالتغير مع المعطيات الجديدة، كظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وتغير الحال من كبر الأولاد والبنات وانتقالهم إلى مساكن منفصلة عن آبائهم على مدار العشر السنوات التي تلت ذاك العام، حيث انتهى جيل كبار السن الذين عايشوه وفترة الماضي، وكانوا هم سبب استقرار الوضع السابق، ولكن مع حالات الوفيات فيما بينهم؛ بدأ تغير أحوال العوائل المختلفة إلى أسوأ وأسوأ، حتى صار الأقارب أعداء فيما بينهم، وانتهت الأمانة وحق الجيرة، وغيرها من الحقوق المتبادلة بين حقوق المسلم على المسلم، حتى ظهرت مشاكل التعصب للرأي، والمشاحنات لأتفه الأسباب، والأمر الخطير أصبح أنه لا يمكن الوثوق بأي أحد؛ نظرًا لتوقع غدره.
لقد انتقلت لمجتمع آخر للعمل هناك منذ 5 سنوات، وأبقى فيه طيلة 5 أيام، وأعود ليومين فقط إلى مجتمعي الذي نشأت به (مسقط رأسي)، ومجتمعي الجديد مختلف تمامًا عنه، فيه جميع الخصال والأخلاق الحميدة، من الكرم، والصدق، والأمانة، وإغاثة الملهوف، وغيرها، فهل أستقر به استقرارًا أبديًا، أم أبقى على صلة بالمجتمع السابق، أم أهجره بتاتًا؟ وللعلم لدي أقارب وأرحام فيه، وواجب علي صلتهم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:
فمرحبًا بك أخي الكريم في مستشارك الخاص، وردًا على استشارتك أقول:
حقًا ما ذكرته من تغير سلوكيات الكثير من المجتمعات بسبب التعامل السيئ مع الوسائل العصرية الحديثة، والتي كان لها الدور الأكبر والأبرز في تحول سلوكيات المجتمع إلى سلوكيات سلبية؛ والسبب يعود كذلك لسوء استخدام تلك الوسائل، فبدلاً من أن تكون وسائل للرقي والرفاهية، والمزيد من الترابط بين المجتمع؛ صارت وسائل لهدم القيم.
الذي ينبغي على كل عاقل أن يجتهد في إعادة المجتمع إلى الجادة كل في مجاله وتخصصه، فالإعلامي، والمعلم، والأب، وخطباء المساجد.. إلى آخر ذلك.
من وجد مجتمعًا متماسكًا ومترابطًا يعينه على الخير وعلى تنشئة أبنائه التنشئة الصالحة المعتدلة؛ فإن الشرع والعقل يدلان على ضرورة الانتقال إليه؛ كي يحافظ على البقية الباقية من السلوكيات المستقيمة لدى من ولاه الله أمرهم.
الإنسان يتأثر بالناس المحيطين به سلبًا؛ وإيجابًا يدل على ذلك قول نبينا عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) وكذلك ما جاء في حق الرجل من بني إسرائيل الذي قتل مائة نفس، وفي قصته أن العالم دله على الانتقال من قريته التي فيها أناس سيئون إلى قرية أخرى صالحة.
لا شك أن المجتمع المسلم في الجملة لا يزال فيه الخير، وإن حصلت ندوب وتشوهات في قيمه وسلوكياته ومعالجته، وإعادته إلى جادة الصواب ليست مستحيلة، إلا أنها تحتاج إلى إرادة دول؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن؛ ولذلك لا ينصح بترك مخالطتهم وبمقاطعتهم بالمرة، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (الذي يخالط الناس يصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم).
إنني أشجعك على الانتقال إلى المجتمع الجديد الذي فيه تلك القيم النبيلة التي ذكرتها، مع بقاء تواصلك مع المجتمع الآخر؛ فالقاعدة في ديننا: أن يحرص المرء على ما ينفعه. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) ولا يمنعنك بعض السلوكيات السلبية من صلة أرحامك وأصدقائك، مع الاجتهاد في توجيههم برفق ولين، وتبيين الأخطاء التي وقعت فيها ما يطلق عليه بالمجتمعات المتحضرة.
نوصيك بتوثيق صلتك بالله تعالى، والاجتهاد في تقوية إيمانك، من خلال الأعمال الصالحة الموافقة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فذلك من أسباب جلب الحياة الطيبة يقول تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْأَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
نسعد بتواصلك، ونسأل الله لك التوفيق والسداد.


اضافة تعليق