ما مدى مشروعية الأكل والشرب بعد أذان الفجر الصادق لمن أراد الصيام .. وهل القول بجواز الأكل والشرب بعد أداء صلاة الفجر وحتى انتشار شعاع الشمس قول معمول به .. أم هو قول مهجور يصادم النص القرآني والأحاديث الصحيحة المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:
فهذا بحث حول مسألة الأكل والشرب عند سماع الأذان (الثاني) لصلاة الفجر لمن أراد الصيام فيه غنية عن غيره ـ إن شاء الله تعالى ـ دعاني لكتابة هذا البحث أنه في كل عام من شهر رمضان يبرز لنا مجموعة من الشباب يقومون بالأكل والشرب بعد الأذان بل بعد صلاة الفجر متشبثين ببعض الآثار الواردة عن بعض الصحابة وبما تبناه وكتبه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في هذا المسألة فأقول :
قال الإمام أبو داود رحمه الله في سننه (2/761) حديث رقم (2350) حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد عن محمد بن عمرو ،عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه)) وأخرجه أحمد في مسنده (2/510) وفي رواية عنده من طريق حماد وهو ابن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة رضي الله عنه وزاد فيه (( وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر )) وأخرجه الدار قطني في سننه (2/165) والحاكم في مستدركه (1/203) والبيهقي في سننه الكبرى (4/218)مع الزيادة التي ذكرها أحمد من نفس الطريق.
قال العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في : ( عون المعبود ج 6ص 340-342)
( النداء ) أي أذان الصبح ( والإناء ) أي الذي يأكل منه أو يشرب منه ( على يده ) جملة حالية ( فلا يضعه ) أي الإناء ( حتى يقضي حاجته منه ) أي بالأكل والشرب قال الخطابي: هذا على قوله إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم أو يكون معناه إن سمع الأذان وهو يشك في الصبح مثل أن يكون السماء متغيمة فلا يقع له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع لعلمه أن دلائل الفجر معدومة ولو ظهرت للمؤذن لظهرت له أيضا فإذا علم انفجار الصبح فلا حاجة إلى أوان الصباح أذان الصارخ لأنه مأمور بأن يمسك عن الطعام والشراب إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر انتهى .
قال في فتح الودود: قال البيهقي: إن صح هذا يحمل عند الجمهور على أنه صلى الله عليه و سلم قال حين كان المنادي ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبل طلوع الفجر قلت من يتأمل في هذا الحديث وكذا حديث كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر وكذا ظاهر قوله تعالى (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) يرى أن المدار هو تبين الفجر وهو يتأخر عن أوائل الفجر بشيء والمؤذن لانتظاره يصادف أوائل الفجر فيجوز الشرب حينئذ إلى أن يتبين لكن هذا خلاف المشهور بين العلماء فلا اعتماد عليه عندهم والله أعلم انتهى .
وقال في البحر الرائق : اختلف المشايخ في أن العبرة لأول طلوعه أو لاستطارته أو لانتشاره والظاهر الأخير لتعريفهم الصادق به .
وقال علي القارىء :قوله صلى الله عليه و سلم حتى يقضي حاجته منه هذا إذا علم أو ظن عدم الطلوع
وقال ابن الملك: هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح أما إذا علم أنه قد طلع أو شك فيه فلا .
وقال القارىء أيضا: إن إمكان سرعة أكله وشربه لتقارب وقته واستدراك حاجته واستشراف نفسه وقوة نهمته وتوجه شهوته بجميع همته مما يكاد يخاف عليه أنه لو منع منه لما امتنع فأجازه الشارع رحمة عليه وتدريجا له بالسلوك والسير إليه ولعل هذا كان في أول الأمر انتهى .
وقال الإمام البيهقي في السنن الكبرى (4/218) بعد أن أخرج حديث أبي هريرة : وهذا إن صح فمحمول عند عوام أهل العلم على أنه صلى الله عليه وسلم علم أن المنادي ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع قبل طلوع الفجر وقول الراوي كان المؤذنون إذا بزغ الفجر يحتمل أن يكون خبرا منقطعا ممن دون أبي هريرة أو يكون خبرا عن الأذان الثاني وقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده ) خبرا عن النداء الأول ليكون موافقا لما أخبرنا وساق إسناده إلى ابن مسعود مرفوعا إن بلالا يؤذن بليل …الحديث .
ثم ذكر حديثا من طريق حفص بن غياث عن أشعث عن أبي هبيرة عن جده شيبان قال : دخلت المسجد فناديت فتنحيت فقال لي رسول صلى الله عليه وسلم أبا يحي قال: نعم قال: ادنه هلم إلى الغداء قلت إني أريد الصوم قال : وأنا أريد الصوم ولكن مؤذننا في بصره سوء أو شيء أذن قبل أن يطلع الفجر كذا رواه حفص ورواه شريك عن أشعث عن يحي بن عباد الأنصاري وهو أبو هبيرة عن أبيه عن جده والحديث تفرد به أشعث بن سوار فإن صح فكأن ابن أم مكتوم وقع تأذينه قبل الفجر فلم يمتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأكل وعلى هذا الذي ذكرنا تتفق الأخبار ولا تختلف وبالله التوفيق.
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ في سننه (4/142) قال :أخبرنا محمد بن يحي بن أيوب قال أنبأنا وكيع قال حدثنا سفيان عن عاصم عَنْ زِرّ قَالَ : ” قُلْنَا لِحُذَيْفَة : أَيّ سَاعَة تَسَحَّرْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : هُوَ النَّهَار ،إِلَّا أَنَّ الشَّمْس لَمْ تَطْلُع ” .
قال السندي رحمه الله : قوله (قال هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع ) الظاهر أن المراد بالنهار هو النهار الشرعي والمراد بالشمس الفجر والمراد به في قرب طلوع الفجر حيث يقال إنه النهار نعم ما كان الفجر طالعا.
قال ابن القيم في شرحه لسنن أبي داود بحاشية (عون المعبود ج6 ص 475-477): وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة . فَرَوَى إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ وَكِيع أَنَّهُ سَمِعَ الْأَعْمَش يَقُول : ” لَوْ لَا الشَّهْوَة لَصَلَّيْت الْغَدَاة ثُمَّ تَسَحَّرْت ” ،ثُمَّ ذَكَر إِسْحَاق عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَعَلِيّ وَحُذَيْفَة نَحْو هَذَا ،ثُمَّ قَالَ : وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَرَوْا فَرْقًا بَيْن الْأَكْل وَبَيْن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة . هَذَا آخِر كَلَام إِسْحَاق . وَقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَيْضًا . وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى اِمْتِنَاع السُّحُور بِطُلُوعِ الْفَجْر ،وَهُوَ قَوْل الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة ، وَعَامَّة فُقَهَاء الْأَمْصَار.
،وَرَوَى مَعْنَاهُ عَنْ عُمَر وَابْن عَبَّاس . وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّن اِبْن أُمّ مَكْتُوم ،وَلَمْ يَكُنْ يُؤَذِّن إِلَّا بَعْد طُلُوع الْفَجْر ” كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ ،وَفِي بَعْض الرِّوَايَات : ” وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُؤَذِّن حَتَّى يُقَال لَهُ : أَصْبَحْت أَصْبَحْت ” . قَالُوا : وَإِنَّ النَّهَار إِنَّمَا هُوَ مِنْ طُلُوع الشَّمْس . وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّن لَكُمْ الْخَيْط الْأَبْيَض مِنْ الْخَيْط الْأَسْوَد مِنْ الْفَجْر } ،وَبِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّن اِبْن أُمّ مَكْتُوم ” ،وَبِقَوْلِهِ : ” الْفَجْر فَجْرَانِ ،فَأَمَّا الْأَوَّل فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّم الطَّعَام وَلَا يُحِلّ الصَّلَاة ،وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ يُحَرِّم الطَّعَام وَيُحِلّ الصَّلَاة ” ،رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنه . قَالُوا : وَأَمَّا حَدِيث حُذَيْفَة فَمَعْلُول،وَعِلَّته الْوَقْف،وَأَنَّ زِرًّا هُوَ الَّذِي تَسَحَّرَ مَعَ حُذَيْفَة،ذَكَره النَّسَائِيّ .
وذكر العلامة الألباني رحمه الله تعالى في المجلد الثالث من السلسلة الصحيحة صفحة ((381-384)شواهد لهذا الحديث منها :
1ـ مارواه الحسين بن واقد عن أبي غالب عن أبي أمامة قال :” أقيمت الصلاة و الإناء في يد عمر ، قال : أشربها يا رسول الله ؟ قال : نعم ،فشربها ” . أخرجه ابن جرير ( 3 / 527 / 3017 ) بإسنادين عنه و هذا إسناد حسن .
2 – و روى ابن لهيعة عن أبي الزبير قال : ” سألت جابر عن الرجل يريد الصيام و الإناء على يده ليشرب منه ، فيسمع النداء ؟ قال جابر : كنا نتحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليشرب ” . أخرجه أحمد
( 3 / 348 ) : حدثنا موسى حدثنا ابن لهيعة .
قلت : و هذا إسناد لا بأس به في الشواهد . و تابعه الوليد بن مسلم أخبرنا ابن لهيعة به . أخرجه أبو الحسين الكلابي في ” نسخة أبي العباس طاهر بن محمد ” .و رجاله ثقات رجال مسلم ، غير ابن لهيعة فإنه سيء الحفظ ، و أما الهيثمي فقال في ” المجمع ” ( 3 / 153 ) : ” رواه أحمد ، و إسناده حسن ” !
3 – و روى إسحاق عن عبد الله بن معقل عن بلال قال : ” أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أوذنه لصلاة الفجر ، و هو يريد الصيام ، فدعا بإناء فشرب ، ثم ناولني فشربت ، ثم خرجنا إلى الصلاة ” . أخرجه ابن جرير ( 3018 و 3019 ) و أحمد ( 6 /12 ) و رجاله ثقات رجال الشيخين ، فهو إسناد صحيح لولا أن أبا إسحاق و هو السبيعي – كان اختلط ، مع تدليسه . لكنه يتقوى برواية جعفر بن برقان عن شداد مولى عياض بن عامر عن بلال نحوه . أخرجه أحمد ( 6 / 13 ) .
4 – و روى مطيع بن راشد : حدثني توبة العنبري أنه سمع أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أنظر من في المسجد فادعه ، فدخلت – يعني – المسجد ، فإذا أبو بكر و عمر فدعوتهما ، فأتيته بشيء ، فوضعته بين يديه ، فأكل و أكلوا ، ثم خرجوا ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة ” .
أخرجه البزار ( رقم 993 ) كشف الأستار و قال : ” لا نعلم أسند توبة عن أنس إلا هذا و آخر ، و لا رواهما عنه إلا مطيع ” . ” قال الحافظ ابن حجر في ” زوائده ” (ص / 106 ) : إسناده حسن ” .
قلت : و كذلك قال الهيثمي في ” المجمع ” ( 3 / 152 ) .
5 – و روى قيس بن الربيع عن زهير بن أبي ثابت الأعمى عن تميم بن عياض عن ابن عمر قال : ” كان علقمة بن علاثة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رويدا يا بلال ! يتسحر علقمة ، و هو يتسحر برأس ” . أخرجه الطيالسي ( رقم 885 – ترتيبه ) و الطبراني
في ” الكبير ” كما في ” المجمع ” ( 3 / 153 ) و قال : ” و قيس بن الربيع وثقه شعبة و سفيان الثوري ، و فيه كلام ” .
قلت : و هو حسن الحديث في الشواهد لأنه في نفسه صدوق ، و إنما يخشى من سوء حفظه ، فإذا روى ما وافق الثقات اعتبر بحديثه . و من الآثار في ذلك ما روى شبيب من غرقدة البارقي عن حبان بن الحارث قال : ” تسحرنا مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فلما فرغنا من السحور أمر المؤذن فأقام الصلاة ” . أخرجه الطحاوي في
” شرح المعاني ” ( 1 / 106 ) و المخلص في ” الفوائد المنتقاة ” ( 8 / 11 / 1 ). و رجاله ثقات غير حبان هذا ، أورده ابن أبي حاتم ( 1 / 2 / 269 ) بهذه الرواية و لم يذكر فيه جرحا و لا تعديلا ، و أما ابن حبان فأورده في ” الثقات ” ( 1 / 27 ) .
وخلاصة البحث فيما ذكره الحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره قال :
فتأويله على قول قائلي هذه المقالة: وكلوا بالليل في شهر صَوْمكم، واشربوا، وبَاشروا نساءكم مبتغينَ ما كتب الله لكم من الولد، من أول الليل إلى أن يقع لكم ضوءُ النهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده.
وقال متأولو قول الله تعالى ذكره:”حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر” أنه بياض النهار وسواد الليل-: صفة ذلك البياض أن يكون منتشرا مستفيضا في السماء يملأ بياضه وضوءُهُ الطرق، فأما الضوء الساطع في السماء، فإن ذلك غير الذي عناه الله بقوله:”الخيط الأبيض من الخيط الأسود”.
وقال آخرون: الخيطُ الأبيض: هو ضوء الشمس، والخيط الأسود: هو سوادُ الليل.
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية، التأويلُ الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:”الخيط الأبيض” بياض النهار،”والخيط الأسود” سوادُ الليل.
وهو المعروف في كلام العرب، قال أبو دُؤاد الإياديّ:
فَلَمَّا أضَاءت لَنَا سُدْفَةٌ… وَلاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا
* * *
وأما الأخبارُ التي رويتْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شرب أو تسحَّر، ثم خرج إلى الصلاة، فإنه غير دافع صحةَ ما قلنا في ذلك؛ لأنه غير مستنكر أن يكون صلى الله عليه وسلم شَرب قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة، إذ كانت الصلاةُ -صلاة الفجر- هي على عهده كانت تُصلى بعد ما يطلع الفجر ويتبيَّن طلوعه ويؤذَّن لها قبل طلوعه.
وأما الخبر الذي رُوي عن حذيفة:”أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتسحر وأنا أرى مَواقعَ النَّبل”، فإنه قد استُثبتَ فيه فقيل له: أبعد الصبح؟ فلم يجب في ذلك بأنه كان بعد الصبح، ولكنه قال:”هو الصبح”. وذلك من قوله يُحتمل أن يكون معناهُ: هو الصبح لقربه منه، وإن لم يكن هو بعينه، كما تقول العرب:”هذا فلان” شبها، وهي تشير إلى غير الذي سمَّته، فتقول:”هو هو” تشبيها منها له به، فكذلك قول حذيفة:”هو الصبح”، معناه: هو الصبح شبها به وقربا منه.
* * *
وقال ابن زيد في معنى”الخيط الأبيض والأسود” ما:
حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:”حتى يتبيَّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر” قال:”الخيط الأبيض” الذي يكون من تحت الليل، يكشف الليل -“والأسود” ما فوقه.
* * *
وأما قوله:”من الفجر” فإنه تعالى ذكره يعني: حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود الذي هو من الفجر. وليس ذلك هوَ جميعَ الفجر، ولكنه إذا تبيَّن لكم أيها المؤمنون من الفجر ذلك الخيط الأبيض الذي يكون من تحت الليل الذي فوقه سواد الليل، فمن حينئذ فصُوموا، ثم أتِمُّوا صيامكم من ذلك إلى الليل.
وبمثل ما قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:”منَ الفجر” قال: ذلك الخيط الأبيضُ هو من الفجر نسبةً إليه، وليس الفجر كله، فإذا جاء هذا الخيط، وهو أوله، فقد حلت الصلاةُ وحَرُم الطعام والشراب على الصائم.
* * *
قال أبو جعفر: وفي قوله تعالى ذكره:”وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيضُ من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيامَ إلى الليل” أوضحُ الدلالة على خطأ قول من قال: حلالٌ الأكلُ والشربُ لمن أراد الصوم إلى طلوع الشمس؛ لأن الخيط الأبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر، وقد جعل الله تعالى ذكره ذلك حدًّا لمن لزَمه الصوم في الوقت الذي أباح إليه الأكل والشرب والمباشرة.
فمن زعم أنّ له أنْ يتجاوز ذلك الحدّ، قيل له: أرأيتَ إن أجازَ له آخَرُ ذلك ضحوةً أو نصف النهار؟
فإن قال: إنّ قائلَ ذلك مخالف للأمة.
قيل له: وأنتَ لما دلَّ عليه كتاب الله ونقلُ الأمة مخالفٌ، فما الفرق بينك وبينه من أصْل أو قياس؟
فإن قال: الفرق بيني وبينه أن الله أمر بصوم النهار دون الليل، والنهارُ من طلوع الشمس.
قيل له: كذلك يقول مخالفوك، والنهار عندهم أوَّله طلوع الفجر، وذلك هو ضوء الشمس وابتداءُ طلوعها دون أن يتتامَّ طلوعها، كما أن آخر النهار ابتداءُ غروبها دون أن يتتامَّ غروبها.
ويقال لقائلي ذلك إن كان”النهار” عندكم كما وصفتم، هو ارتفاع الشمس، وتكامل طُلوعها وذهاب جميعُ سدْفة الليل وَغبَس سواده -فكذلك عندكم”الليل”: هو تتامُّ غروب الشمس، وذهاب ضيائها، وتكامل سواد الليل وظلامه؟
فإن قالوا: ذلك كذلك!
قيل لهم: فقد يجبُ أن يكون الصوم إلى مَغيب الشفق وذهاب ضوء الشمس وبياضها من أفق السماء!
فإن قالوا: ذلك كذلك! أوجبوا الصومَ إلى مغيب الشفق الذي هوَ بياضٌ. وذلك قولٌ إنْ قالوه مدفوعٌ بنقل الحجة التي لا يجوز فيما نقلته مُجمعةً عليه -الخطأُ والسهوُ، [وكفى بذلك شاهدا] على تخطئته .
وإن قالوا:”بل أول الليل” ابتداء سُدْفته وظلامه ومَغيبُ عَين الشمس عنا.
قيل لهم: وكذلك”أول النهار”: طلوع أوّل ضياء الشمس ومغيب أوَائل سُدفة الليل.
ثم يعكس عليه القول في ذلك، ويُسأل الفرقَ بين ذلك، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
* * *
وأما”الفجر” فإنه مصدر من قول القائل:”تفجَّر الماءُ يتفجَّرُ فجرًا”، إذا انبعثَ وجرى، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلع الشمس”فجر”، لانبعاث ضوئه عليهم، وتورُّده عليهم بطرُقهم ومحاجِّهم، تفجُّرَ الماء المتفجِّر من منبعه.
* * *
وأما قوله:”ثم أتموا الصيام إلى الليل” فإنه تعالى ذكره حَدَّ الصوم بأن آخرَ وقته إقبالُ الليل – كما حدَّ الإفطارَ وإباحةَ الأكل والشرب والجماع وأوَّل الصوم بمجيء أول النهار وأوَّل إدبار آخر الليل، فدلّ بذلك على أن لا صومَ بالليل، كما لا فطر بالنهار في أيام الصوم وعلى أنّ المواصل مجوِّعٌ نفسه في غير طاعة ربه. كما: –
حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية ووكيع وعبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أقبل الليل وأدبر النهارُ وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم.
حدثنا هناد قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو إسحاق الشيباني وحدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو عبيدة وأبو معاوية، عن الشيباني وحدثنا ابن المثنى قال حدثنا أبو معاوية وحدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس، عن الشيباني قالوا جميعا في حديثهم، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير وهو صائم، فلما غَرَبت الشمسُ قال لرجل: انزل فاجدَحْ لي. قالوا: لو أمسيت يا رسول الله! فقال: انزل فاجدح. فقال الرجل: يا رسول الله لو أمسيت! قال: انزل فاجدح لي. قال: يا رسول الله إن علينا نهارا! فقال له الثالثة، فنزل فجدح له. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أقبل الليل من هاهنا – وضرب بيده نحو المشرق – فقد أفطر الصائم.
وهذا ما رجحه كثير من أهل العلم منهم :
1ـ الحافظ ابن كثير رحمه الله: (1/223) .
قال وقد ورد أحاديث كثيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه (يعني السحور ) الغداء المبارك وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن حذيفة قال تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النهار إلا أن الشمس لم تطلع وهو حديث تفرد به عاصم بن أبي النجود قاله النسائي وحمله على أن المراد قرب النهار كما قال تعالى (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهم بمعروف أو فارقوهن بمعروف ) أي قاربن انقضاء العدة فإما إمساك بمعروف أو ترك للفراق وهذا الذي قاله وهو المتعين حمل الحديث عليه أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر حتى أن بعضهم ظن طلوعه وبعضهم لم يتحقق ذلك وقد روى عن طائفة كثيرة من السلف أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر روى مثل هذا عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وعن طائفة كثيرة من التابعين منهم محمد بن علي بن الحسين وأبو مجلز وإبراهيم النخعي وأبو الضحى وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود وعطاء والحسن والحاكم وابن عيينة ومجاهد وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد وإليه ذهب الأعمش ومعمر ابن راشد وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد ولله الحمد وحكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره عن بعضهم أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها .
ثم قال : قلت وهذا القول ما أظن أحدا من أهل العلم يستقر له قدم عليه لمخالفته نص القرآن في قوله ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ).
2ـ وقال السعدي رحمه الله في تفسيره (1/87) .
(وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) هذا غاية للأكل والشرب والجماع وفيه أنه إذا أكل ونحوه شاكا في طلوع الفجر فلا بأس عليه .
وقال ابن الجوزي في زاد المسير:(1/192ـ 193 ) :
قوله تعالى (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ) قال عدي بن حاتم لما نزلت هذه الآية عمدت إلى عقالين ابيض واسود فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أقوم في الليل ولا أستبين الأسود من الأبيض فلما أصبحت غدوة على رسول الله فأخبرته فضحك وقال إن كان وسادك إذا لعريض إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل وقال سهل بن سعد نزلت بن سعد نزلت هذه الآية حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل ( من الفجر ) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط احدهم في رجليه الخيط الأسود
والخيط الأبيض فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له زيهما فأنزل الله بعد ذلك ( من الفجر ) فعلموا أنما يعني بذلك الليل والنهار.
3ـ وقال العلامة ابن العربي رحمه الله في أحكام القرآن : (1/131)
المسألة الحادية عشرة : كما أن السنة تعجيل الفطر مخالفة لأهل الكتاب كذلك السنة تقديم الإمساك إذا قرب الفجر عن محظورات الصيام ومن العلماء من جوز الأكل من الشك في الفجر حتى يتبين منهم ابن عباس والشافعي لقوله تعالى (حتى يتبين) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال وكلوا واشربوا حتى ينادي ابن ام مكتوم وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت وتأوله علماؤنا قاربت الصباح وقاربت تبين الخيط وهو الأشبه بوضع الشريعة وحرمة العبادة لقوله صلى الله عليه وسلم يوشك من يرعى حول الحمى أن يقع فيه وإذا جاء الليل فأكلت لم تخف مواقعة محظور وإذا دنا الصباح لم يحل لك الأكل لأنه ربما أوقعك في المحظور غالبا .
4ـ وقال ابن عطية في المحرر الوجيز(1/158):
واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك فقال الجمهور وبه أخذ الناس ومضت عليه الأمصار والأعصار ووردت به الأحاديث الصحاح ذلك الفجر المعترض الآخذ في الأفق يمنة ويسرة فبطلوع أوله في الأفق يجب الإمساك وهو مقتضى حديث ابن مسعود وسمرة بن جندب وروي عن عثمان بن عفان وحذيفة بن اليمان وابن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش وغيرهم أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال وذكر عن حذيفة أنه قال تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النهار إلا أن الشمس لم تطلع وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه صلى الصبح بالناس ثم قال الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
قال الطبري ومما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هو في النهار والنهار عندهم من طلوع الشمس لأن آخره غروبها فكذلك أوله طلوعها.
وقال عند قول الله تعالى ( واختلاف الليل والنهار):
والنهار يجمع على نهر وأنهرة وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس يقضي بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم:( إنما هو بياض النهار وسواد الليل ) وهذا هو مقتضى الفقه في الأيمان ونحوها إلى أن قال وقول النبي صلى الله عليه وسلم هو الحكم .
5ـ وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله كما في (جلسات وفتاوى العثيمين 4/82):
وقفة مع حديث:(إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده…)
[ السؤال ] هل يمكن أن نوجه دلالة الحديث الذي أخرجه أحمد و أبو داود وغيرهما بسند صحيح من رواية أبي هريرة مرفوعاً: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) زاد أحمد وغيره بسند صحيح على شرط مسلم : (وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر) هل يمكن أن يوجَّه الحديث على ما إذا أذن المؤذن في بداية بزوغ الفجر، فإن الله قد أرخص له، إذا كان على هذه الصفة، وهو إذا رفعه إلى فيه؟الجواب: نعم، أنا عندي أن هذا الحديث موجَّه على أحد وجهين:
الوجه الأول: إما أن يكون المؤذن يؤذن بالتحري، والذي يؤذن بالتحري قد يصيب وقد لا يصيب، كالمؤذنين عندنا الآن.
والوجه الثاني: أن يكون ذلك بالتأذين من المؤذن عن يقين، ومشاهدته للفجر؛ ولكن هذا من باب الرخصة، لما كان الإنسان رفع الماء ليشرب، تعلقت به نفسه، ولهذا لو كان في الأرض لا تحمله، لا ترفعه من الأرض، بل لابد أن يكون في يدك، وإلاَّ كانت النفس قد تعلقت بهذا الماء الذي رفعه، كان من رحمة الله عزَّ وجلَّ أن يقضي الإنسان نهمته منه، كما لو حضر الطعام والإمام يصلي فإنك تأكل من الطعام، ولو فاتتك الصلاة، فتُسقط بذلك واجباً؛ لأن نفسك متعلقة بهذا الطعام الذي قُدِّم بين يديك. فالحديث لا يخرج عن أحد هذين الوجهين.
الوجه الأول ما هو؟ أن المؤذن يؤذن بالتحري؛ لكن هذا قد يمنعه رواية أحمد ، أنه يؤذن حين بزوغ الفجر؛ إلا أنه يؤيده ما ثبت في الصحيحين من قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إن بلالاً يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) هكذا جاء الحديث مرفوعاً بهذا اللفظ.
الوجه الثاني: قلنا: أن هذا من باب الرخصة، وهو أنه لما اشتد تعلق النفس بهذا الماء المرفوع رخص له الشارع أن يقضي نهمته منه، وإن كان في وقت يُمنع منه، ونظير ذلك: (لا صلاة بحضرة طعام) أو (إذا قُدِّم العَشاء فابدءوا به قبل صلاة العِشاء)
6ـ وقال ابن مفلح في (كتاب الفروع 3/70) :
عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا (( إذا سمع أحدكم ا لنداء ………….))
فإن صح فمعناه إنه لم يتحقق طلوع الفجر .
وقال : مسروق : لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملاء البيوت والطرق ذكره ابن المنذر وغيره فإن صح فهو رأى طائفة مع احتمال معناه تحقق طلوع الفجر .
وقال المناوي في( فيض ا لقدير (1/377) : ( إذا سمع أحدكم النداء ) أي الأذان للصبح وهو يريد الصوم والإناء مبتدأ ( على يده ) خبره ( فلا يضعه) نهى أو نفى لمعناه (حتى يقضي حاجته) بأن يشرب منه كفايته ما لم يطلع الفجر أو يظنه ظنا يقرب منه وما ذكر من أن المراد به أذان الصبح هو ما جزم به الرافعي فقال : أراد أذان بلال الأول بدليل (إن بلالا يؤذن بليل فكلوا و اشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) وقيل المراد أذان المغرب فإذا سمعه الصائم والإناء في يده فلا يضعه بل يفطر فورا محافظة على تعجيل الفطر وعليه قال : الطيبي دليل الخطاب في أحدكم يشعر بأنه إذا لم يكن الإناء في يده ويأتي أن تعجيل الفطر مسنون مطلقا لكن هذا مفهوم لقب فلا يعمل له .
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
وكتب : د . عقيل بن محمد المقطري




اضافة تعليق