أنا زوجة ثالثة منذ أربع سنوات، زوجي يعمل في التجارة في بلد آخر، ومعه زوجتاه وأولاده، فيه صفات خير، يصلي، وبعيد عن الفواحش، إلا أنه لا يعدل في توزيع الوقت، وعندما أطالبه بالعدل يغضب ويخيرني بين أن أتساير مع ظروف عمله، وهو الذي يحدد متى يأتي ومتى يذهب (شهر كل ثلاثة أو أربعة أشهر، أو شهران في السنة، أو حسب الظروف) أو الطلاق! وأنا أعاني من تأخر في الحمل دون سبب طبي إلا عدم الاستقرار في العلاقة الزوجية حسب قول الطبيب، وأخشى أن تفوتني فرصة الحمل؛ لأني الآن في منتصف الثلاثينات، وتتوق نفسي للولد.
يقول بأنه يريدني ويرتاح معي، ويصفني للناس بأوصاف جميلة، إلا أنه يكره مني العتاب واللوم، وأنا لا ألومه إلا عند تأخره في حقوقي الشرعية، كالسؤال عني، وتصبيري بكلام طيب عن تأخره عني.
كثر الشجار بيننا، ووصلنا للتفكير الجاد في الطلاق لنفس السبب: أنه لا يريد الاعتراف بالتقصير مطلقاً، ولا يستطيع احتوائي بالأسلوب الطيب، حتى إني أشك أنه لا يريدني، خاصة حالياً بعد احتجابه عني لنفس السبب -حسب زعمه أنه يتجنب اللوم والعتاب-، وأفكر في طلب الطلاق.
أفيدوني، كيف أتصرف؟ جزاكم الله خيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:
فمن فضل الله عليك أن رزقك الله بزوج صاحب دين؛ فتلك هي الصفات المطلوبة في شريك الحياة، والتي حث عليها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا؛ تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) فالدين والخلق صفتان متلازمتان لا تنفكان أبداً، ويؤثر أحدهما في الآخر، وهما صماَم أمان للحياة الزوجية السعيدة، وصاحب الدين والخلق إن أحب زوجته أكرمها، وإن كرهها سرحها بإحسان.
ولا شك أن عدم العدل معك حاصل، ولكن أنت صرت الآن متزوجة، والطلاق ليس حلاً، فأنت كما ذكرت في منتصف الثلاثينات، ونظرة المجتمع للمطلقة فيها شيء من الظلم، وأنت تخشين الآن أن تفوت عليك فترة إخصاب الحمل، فلو طلقت قد تمكثين فترة بدون زواج، وإن تزوجت فلعلك تكونين قد تجاوزت الأربعين عاماً؛ فتصبح المشكلة قائمة عندك؛ فالذي أنصحك به: أن تصبري وتهدئي من روعك؛ فهذا قدرك، وتعاملي مع زوجك بشيء من البصيرة والحكمة، ولا توجدي له المبررات للهروب منك وتجاهلك.
بحسب استشارتك: إن زوجك يمدح فيك صفاتك بين الناس؛ وهذا يدل على أنه يحبك؛ فاقتربي منه أكثر، وتبادلي معه عبارات الحب، وابتدئيه بالكلام العاطفي، ولا تكثري من لومه فيضجر.
- اهتمي به في حال مقدمه إليك، وكوني دوماً بأبهى حلة، واجعلي بيتك جذاباً؛ فبيتك في نظري هو عشه الهادئ الذي يطيب له فيه المقام؛ حيث لا ضجيج ولا صراخ، فإن أتى فأشبعي نهمتك منه، وأشبعي عواطفه وشهوته، وتفنني في الاعتناء به، وخاصة ملبسه ومأكله، وأحسني من استقباله وتوديعه؛ فذلك سيجعلك تأسرين قلبه وتعمقين حبك في قلبه.
- أتمنى أن تتخاطبي معه بأسلوب راق يوقظ ضميره ويجعله يلوم نفسه، وتحيني أوقات الصفا عنده، وأوصلي إليه أنك تشتاقين لسماع صوته، وأنك تقلقين عليه، واطلبي منه أن يطمئنك عن حاله ولو برسالة نصية، أو عبر أي برنامج من برامج التواصل الاجتماعي.
- الحياة لا تقوم بالمحاسبة الشديدة، ولكن بالتنازل عن بعض الحقوق، وغض الطرف عن الأخطاء والتقصير.
- أبلغيه بأنك صابرة على التقصير في حقوقك، ومقدرة ظروف عمله، لكنه في المقابل لابد أن يهتم بك ولو في جانب السؤال عنك، وتفقدك وتصبيرك، والتهدئة من روعك ولو بالكلام الطيب؛ فهو مطلب سهل ويسير، وهو أبسط حق لك.
- اجتنبي الشجار معه، فإن رأيت أنه غضب في وقت ما؛ فاعلمي أن الشيطان قد دخل بينكما؛ فاعتذري منه، واطلبي منه بكلام هادئ أن يغير موضع الحديث أو ينهيه؛ على أمل التواصل في وقت لاحق.
- من المؤكد أنه يتعامل مع برامج التواصل الاجتماعي؛ فإن كان يسمح لك بالتواصل معه فراسليه في الأوقات التي تتفقين معه عليها، وليكن تركيزك على استثارة عاطفته، واستنهاض مشاعره، واستمالة قلبه، وتجنبي ما يثير حفيظته.
- لا تنسي اللجوء إلى الرحيم الودود الذي بيده مفاتيح القلوب، والذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، وخاصة في وقت سجودك، وفي أوقات الإجابة، كما بين الأذان والإقامة، والثلث الأخير من الليل، ويوم الأربعاء ما بين الظهر والعصر، وسلي الله تعالى أن يلهمه رشده ويلين قلبه، واجتهدي في أن يتوفر فيك أسباب استجابة الدعاء، وأن تنتفي الموانع؛ فإن توفر ذلك استجاب الله لك كما قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ)، وقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) ولا تنسي أن الله يجيب دعوة المضطرين كما قال: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ).
- أكثري من دعاء ذي النون؛ فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون، إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين؛ فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيءٍ قط إلا استجاب الله له).
- قد يكون من الصفات التي عند بعض الناس أنه إن أخطأ لا يعترف بخطئه، ولكنه بالجانب الآخر يحاول تغطية ذلك بالكرم مع من أخطأ في حقه، ولعل زوجك من هذا النوع، وتعديل هذا السلوك يحتاج إلى صبر وطول بال؛ فالصفات التي شب عليها لا تتعدل ما بين عشية وضحاها إلا أن يشاء الله.
- ركزي في مطالباتك بالأشياء الأساسية، وأخري الأمور الأخرى، واشكريه في حال تقديم أي شيء، وأكثري له من الدعاء والمدح والثناء.
- ركزي أن تظهري فوارق في حياتك معه لا يجدها مع زوجتيه، وانظري فيما يحتاج له ويفتقر إليه؛ فهذا سيجعله ينجذب نحوك، ويكثر من التردد عليك والاتصال بك.
- ركزي على صفاته الإيجابية لديه -وهي كثيرة-، ضخميها في نظرك، واغمري الصفات السلبية في بحر الصفات الحسنة؛ فذلك أدعى أن يهدئ من روعك، واعلمي أن الكمال في البشر عزيز.
- انظري لمن هي أكثر مشاكل منك مع زوجها، كالمعلقات من سنين، والمطلقات من عشرات السنين، والتي تضرب وتهان من قبل زوجها؛ فذلك أجدر أن تشكري نعمة الله عليك.
- تأني في أمورك، ولا تتعجلي؛ فالتأني من الله، والعجلة من الشيطان -كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام-.
- فكري بعقل، وجنبي نفسك مخاطر التفكير العاطفي، فأنت امرأة عاقلة، ومن رجاحة عقلك طرح هذه الاستشارة لأنه (ما خاب من استشار، ولا ندم من استخار).
- نوعي من أساليب التعامل معه، ولا تجعلي تعاملك على نمط واحد، ولعلك تبتكرين أسلوباً يجد القبول في نفسه.
- اطلبي منه حلاً وسطاً لا أن يجعلك بين خيارين أحلاهما مر -كما يقال- الرضى بالحال أو الطلاق، ولا شك أن بين هذين الخيارين مساحات واسعة، ككثرة التواصل، والتعبير عن حبه واشتياقه، وطلب المسامحة، والتلطف بالعبارات، ولا يجعل تعامله كما قيل: (أَحَشَفًَا وَسُوْءَ كِيلة).
- كلما كان الحوار بينكما بناءً وهادئاً توصلتما إلى حلول ترضي الطرفين.
- جربي أن تتوقفي عن إعطائه اهتمامك الكبير، وامنحيه الحرية في التصرف، وانظري كيف سيتعامل معك.
- أشغلي أوقاتك بكل مفيد، وخاصة في جانب تطوير الذات والمهارات، وكذلك ممارسة النشاطات الأخرى والهوايات التي تحبينها.
- وثقي صلتك بالله تعالى، واجتهدي في تقوية إيمانك، وأكثري من نوافل الأعمال الصالحة؛ فذلك من أسباب جلب الحياة الطيبة، كما وعد الله بذلك فقال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
نسعد كثيراً بتواصلك، ونسأل الله تعالى أن يوفق زوجك لإنصافك وتعويضك عما فاتك، وأن يؤلف بين قلبيكما، ويرزقك السعادة والذرية الصالحة، إنه سميع مجيب.


اضافة تعليق