مشكلتي أنني اكتشفت في سن ال 25 أنني ابن زنا، كنت طوال 25 سنة يقولون لي في المنزل: إن أمي تطلقت من أبي عندما كان عمري عام واحد، وإن أبي متزوج ولديه أولاد، ويسكن في نفس المدينة، ولا أعرفه ولم أره أبدًا.
ربتني جدتي مع خالاتي وخال واحد، بينما أمي كانت على حسب ما تقول: إنها كانت تعمل من أجلي، ومن أجل إخوتها، وتزوجت مرات عديدة، وأنا عند جدتي الغالية التي أحبها كثيرًا، وأعتبرها أمي.
أمي الحقيقية لا أشعر بأية مشاعر نحوها، لأنني لم أشعر بحنانها أبدًا، ولم أتذكر أنها عانقتني أو احتضنتني في يوم ما، حتى أني في لحظات التفكير العميق أكرهها، وهذا الكره يؤلمني، لأني لا أريد أن أكون هكذا.
المشكلة أنها تتعامل مع كل الناس باهتهام بالغ وتعاطف وود، لدرجة أن كل الناس يقولون لي: إن أمي إنسانة رائعة وطيبة جدًا، وأنا أتألم عندما أسمع هذا، لأنها معي عديمة الإحساس، فهل يعقل أن يكون هناك إنسان طيب، وفي نفس الوقت عديم الإحساس مع أولاده؟ مع العلم أن هذه المشاكل كانت حتى قبل أن أعرف الحقيقة، دائمًا لم أكن أشعر بها، لأنها لم تعطني لا الحب ولا الحنان، وأحب جدتي كثيرًا.
المشكلة طويلة جدًا، وسؤالي الآن هو: هل التي زنت وولدت تعتبر أمًا، ويجب على الابن طاعتها؟ فأنا أظن أن الأم هي التي تتزوج في الحلال، وبعد ذلك تكون لديها الرغبة في الإنجاب وتنجب، هذه هي الأم الحقيقية، والتي تستحق الحب والطاعة وكل شيء، وهل التي تزني وتلد تدخل في قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}؟
أنا لم أشعر أبدًا بأني أحبها! كنت دائمًا وحيدًا أتألم في صمت، ومعذرة عن الإطالة، -وشكرًا لكم-.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:
فمرحبًا بك -أخي الكريم- في مستشارك الخاص، وردًا على استشارتك أقول:
هنالك من الأمهات من يكون تعاملها مع أولادها فيه شيء من عدم الاهتمام وعدم إشعارهم بالحنان والعطف، ولكنهن مع غير الأبناء مثاليات للغاية، وهذا ناتج عن القصور في الفهم، أو بسبب البيئة التي تربت فيها، فهي تطبق نفس الأساليب التي تربت عليها.
قد يكون من جملة الأسباب التي ولدت الجفوة عند والدتك البعد عنك في سن الطفولة أو الحرج الشديد منك كونك قد علمت بالأمر وتشعر بأنك تمقت فعلها، وقد يكون بسبب عدم تفاعلك وإظهار فرحك أثناء الالتقاء بها، وظهور آثار الغضب في وجهك، دور في انكماشها وعدم حفاوتها بك، قد يكون ثمة أعذار أخرى، ولا بد أن تلتمس لها المعاذير، ولو أنك تناسيت فعلها، وتعاملت مع الأمر الواقع، فتلك معصية وقعت فيها، وهي واردة على كل أحد تحصل في حال ضعف إيمانه، والمهم في الأمر أنه قد تاب وأناب.
أتمنى أن تتعامل معها برحمة، وأن تظهر الحفاوة بها والفرح للقائها، وسترى أنها تتفاعل معك، لأنها لا تنكر أنك ابنها، وكيف تنكر وقد تربيت بين أحشائها، فهي أمك، وإن كانت حملت بك بتلك الطريقة، فديننا الحنيف قد نص على ذلك، وطاعة الولد للأم واجبة مهما فعلت، لأن الله أمر بالإحسان إليها لكونها تحمل ذلك اللقب، بغض النظر عن أفعالها، فقد أمر بالإحسان للوالد الكافر، فكيف بالمسلم العاصي؟!
أمك تستحق الطاعة والبر، ومقاطعتها يعد من العقوق، وبغضها ليس من الإحسان، فبر بها، وتواصل معها، وأحسن إليها، ونل رضاها، واطلب دعاءها، وإياك أن تذكر لها ذنبها لا تصريحًا ولا تلميحًا، واجعل نفسك كأنك لا تعرف شيئًا.
تفقد حال أمك؛ وخاصة من الناحية الدينية، وخذ بيدها إلى طاعة ربها إن كان ثمة تقصير في هذا الجانب، لتكسب أجرها.
الأم وإن حملت من الزنا، فمسمى الأمومة لا ينفك عنها، وهي داخلة تحت قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚإِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}، فاحذر من عقوقها، ولعلها قد تابت واستقام حالها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، الذي يريد أن يجعلك عاقًا لوالدتك وعاصيًا لربك، وحبك لجدتك لا ينافي برك بأمك، واحتسب الأجر عند الله في قربك من والدتك والإحسان إليها، واعلم بأن وقوع العبد في أي معصية جار وفق قضاء الله وقدره، وإن كان العبد هو الذي سعى للوقوع فيها، وكون هذا ولد شرعي وذاك ابن زنا، لا يد للإنسان فيه، وهو أمر مقدر، فارض بقضاء الله وقدره، وهو اختبار وامتحان من الله لك، فلا بد أن تنجح في هذا الاختبار، وإياك أن تعالج المشكلة بمشكلة أكبر منها.
نسعد بتواصلك، ونسأل الله تعالى لك التوفيق في حياتك، وأن ويسعدك ويعينك على بر أمك، إنه سميع مجيب.


اضافة تعليق