مشكلتي مشكلة معقدة، قد يراها البعض مشكلة عادية، لكنى أقف عاجزًا أمامها.
متغرب لأكثر من عشر سنين في السعودية، أنا من السودان، وعمري 43 سنة، وتزوجت مرتين وطلقت، ولدي ولد، لكني والحمد لله صابر ومحتسب نصيبي بالأجر من الله، رغم أني لم أكن ظالمًا ولا قاسيًا، لكنى دائماً ما أري أني مبتلى، وكما هو معروف: الابتلاءات لها عدة صور، وربما طلاقي أحد الابتلاءات، والحمد لله على كل حال، راض كل الرضى، ومتيقن ومتفائل أن الله على حسب نيتي سيرزقني بزوجة صالحة، هذه ليست المشكلة التي أريد الاستشارة فيها، فقط أريد أن أوضح جزءًا من حياتي، ربما يكون له صلة بمشكلتي.
ومشكلتي هي: أجلكم الله، والدي عمره 75 عامًا، وهو مريض بالسكر والضغط، ووالدتي متوفية، وهو متزوج وله أولاد، وعلاقتي به طيبة وهو راض عني والحمد لله، لكني غير راض عن نفسي في باب البر به، والسبب البعد عنه لأكثر من عشر سنين، لأن أولاده من زوجته أتعبوه كثيرًا، وكثيرًا ما يعصوه، ويجد منهم العقوق، وأنا أريد السفر حتى أنال رضى الله في البر به، لأن عمره المتقدم أكثر حاجةً لمن يعتني يه، والمشكلة أنني غير قادر على السفر، فلي زمن طويل لا فائدة ملموسة في العمل، بل العكس، صار الدخل أقل من المنصرف، وكل شهر تزيد الديون، ما جعلني غير قادر على السفر، وأنا إنسان -الحمد لله- أصلي وأصل رحمي وعلاقتي جيدة بربي.
هذا الشي جعلني أعاني معاناة لا يعلمها إلا الله عز وجل، جربت كثيرًا من الحلول، لكن الحال من سيء لأسوأ، كل آخر شهر أجد نفسي أسوأ ماديًا، وأنا بطبعي لا يمكن أن أذهب لشخص أطلب منه المساعدة، لأنني عانيت سابقاً من الديون، ولا أريد أن ألدغ من نفس الجحر، إقامتي لا تسمح لي بإيجاد عمل أفضل، وعملي كما ذكرت لك، وصلت لدرجة أني كرهت حياتي، وتمنيت الموت على هذه العيشة، فوالدي كما وصفت لك، وأري نفسي مقيد وغير قادر على أي حل يفك قيودي.
وقبل أن أكتب إليكم دخلت في صراع مع النفس، هل أكتب إليكم أم أصبر على حالي لعل في الصبر أجر وحل من الله عز وجل؟ لأن يقيني في الله كبير جدًا، لكن عندما أتذكر عمر والدي المتقدم في السن ينتابني شعور بالخوف من هذا البعد.
أرجو الإفادة أثابكم الله، ودمتم بكل خير، والله ولي التوفيق.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:
فمرحبًا بك أخي الكريم في مستشارك الخاص، وردًا على استشارتك أقول:
من فضل الله عليك أن راض بما قضاه الله وقدره، لأن من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، ويكفي أن والدك راض عنك، وأنك تبر به وتصله في الأمور المادية التي هو بحاجة إليها في هذه السن وسفرك إليه قد يقطع عنه ذلك، فيتضرر أكثر، ويكفي أنك تتواصل معه وتطمئن على حاله.
لم تخبرنا عن طبيعة عملك، ومع هذا فأتمنى أن تبحث عن عمل إضافي أو تنتقل إلى مؤسسة أخرى قد يكون عرضها أفضل من عرض المكان الذي تعمل فيه أو تغيير المجال إن كان ذلك ممكنًا.
إن كانت لديك خبرات عملية، فأنصحك أن تقدم سيرتك إلى مؤسسات أخرى، سواء في السعودية أو في دول الخليج الأخرى، فلعلك تجد فرصة عمل أخرى أفضل، وهذا من باب العمل بالأسباب.
لا أظن أنه بإمكانك أن تجد فرصة عمل في بلدك تدر عليك نفس المبلغ الذي تتقاضاه في السعودية، فأنت عليك مسؤولية كبيرة، ولذلك فعودتك إلى بلدك في هذه الظروف غير صحيحة.
كن متفائلًا ولا تيأس من رحمة الله تعالى، فالتفاؤل يفتح لك الآفاق، ويجعل صدرك منشرحًا، واحذر من التشاؤم والرسائل السلبية كقولك: كرهت حياتي، أرى نفسي مقيدًا؛ فهذه الرسائل وغيرها يستقبلها العقل ويتبرمج وفقها وينتج عن ذلك أفعال تحبط حياتك.
منهي شرعًا تمني الموت لضر ينزل بالإنسان، كما قال عليه الصلاة والسلام: [لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي].
رتب أولويات مصاريفك، وقدم الأهم على المهم، وابدأ بالضروريات ولا تلتفت للكماليات، وعليك بأسباب جلب الرزق والتي من أهمها:
تقوى الله تعالى كما قال سبحانه: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.
التوكل على الله كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}.
صلة الأرحام يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: [من أراد أن ينسأ له في أثره ويبسط له في رزقه فليصل رحمه].
طلب الدعاء من الوالد، فدعوته مستجابة، ففي الحديث: [دعوة الوالد لولده لا ترد].
كثرة الاستغفار يقول تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا}.
المتابعة بين الحج والعمرة، يقول عليه الصلاة والسلام: [تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة].
كثرة التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى أثناء السجود وفي أوقات الإجابة؛ وخاصة الثلث الأخير من الليل، ويوم الأربعاء ما بين الظهر والعصر، وسل الله تعالى من خيري الدنيا والأخرى، فالله تعالى قد وعد باستجابة دعاء من دعاه إن توفرت فيه أسباب الاستجابة فقال: {وَقَالَ رَبُّكُم ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ) وقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.
لم لا تفكر في تطوير نفسك من خلال المشاركة في بعض الدورات التأهيلية، وخاصة في المجالات التي يتطلبها سوق العمل، وخاصة مجالات التسويق صحيح أن ذلك يحتاج إلى مال لكن سيكون له مردود بإذن الله وطلبك للدين من أجل هذا أفضل من طلبه للإنفاق.
ما ينزل بالعبد من بلاء إلا بسبب ذنب ولا يرتفع إلا بالتوبة، ففتش في صفحات حياتك، فلعلك تجد ذنبًا قد أقلعت عنه وتناسيت التوبة منه، فقد يكون هو سبب معاناتك، وأنا هنا لا أتهمك بشيء، ولكن من باب محاسبة النفس، وكلنا أصحاب ذنوب، يقول عليه الصلاة والسلام: [وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه].
لكي يزول همك الزم الاستغفار، وأكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عليه الصلاة والسلام: [من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا] وقال لمن قال له أجعل لك صلاتي كلها: [إذا تكف همك ويغفر ذنبك].
وثق صلتك بربك أكثر، واجتهد في تقوية إيمانك، وأكثر من نوافل الصيام والصلاة وتلاوة القرآن الكريم وغير ذلك، فإن هذا من أسباب جلب الحياة الطيبة كما قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
لا تترد في الكتابة إلينا في أي أمر، لأن ذلك من باب العمل بالأسباب وهو أمر مشروع، فما خاب من استشار وما ندم من استخار.
نسعد بتواصلك، ونسأل الله تعالى أن يجعل لك من هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، وأن يعطيك من الخير ما تتمنى، ويصرف عنك كل مكروه إنه سميع مجيب.


اضافة تعليق