أنا صاحب الاستشارة التالية: 35325، وأشكركم جزيل الشكر على إنصاتكم وردكم، وعن كفاءتكم وإحسانكم، جزاكم الله ألف خير.
للتذكير: أنا شاب يريد الزواج من شابة مطلقة صالحة -على حد علمي-، وأنا أعرفها منذ ثلاث سنوات، رفض الوالدان وأصررت حتى قبلا رفقًا بي، فكلم أبي أباها، وللإشارة: أبي في منطقة بعيدة جدًا لا يستطيع المجيء.
صرت أسعد إنسان، مع أنها هي لم تثق بذلك، ومصرة على أن لا تبني آمالاً على مكالمة أبوين هاتفيًا، وتفضل أن نبقى زملاء إلى أن تتم الخطبة فالزواج، لا سيما الرفض الأولي؛ سرني الأمر لما في ذلك من حيطة واجتناب لطرق الشيطان، غير أن أباها اتصل بأبي، وأبي يماطل في الاتصال به لمعرفة رد أسرتها كما تنص عليه تقاليدنا؛ فكنت أتصل به يوميًا أطلب منه أن يعاود الاتصال بالرجل كخطوة تكميلية لما بدأه ومن تم ننتظر حتى أتخرج قريبًا لإتمام الخطبة فالزواج.
مرت 3 أسابيع وأبي لم يتصل، ولم يرد على اتصال أبيها الأول. غضبت فطمأنتها، ولما اتصلت بأبي ماطل، فاستفسرت فغضب وسبني وقطع الخط عليّ. عاودت بعد حين فلم يجبني، واتصلت بوالدتي؛ فردت لي اللوم ولم تكن تعلم أصلاً بالاتصال، فلم يحدثها به قط، وصارت تسب الفتاة، وأنها سبب يفرقها عن ابنها وو..؛ فانفجرت عليها عبر الهاتف -أسأل الله أن يغفر لي-، وتقاطعنا أسبوعًا، لكنني عدت وطلبت منها المعذرة والمسامحة، وتسامحنا.
اليوم الحادي عشر لم أسمع من أبي كلمة بعد أن سبني وأقفل الخط في وجهي، وهو من كان وعدني أنه جاد في أمر زواجي، وأنه لا ينوي التراجع عن ذلك، (كنت قد سألته من شدة فرحتي فلم أصدق في البداية) علمًا أنه يتصل بوالدتي وأخواتي، وأنا لم أرد على إهانته لي، وعن كل ما فعل بمشروع حياتي.
علي ببر الوالدين، وأنا أجاهد لذلك، أريد حياة بر مع الزوجة التي اخترت بعناية، وهي تشدد على ذلك أيضًا، لكن الأمر قهرني، أبكيها كل يوم من الشوق، وأبلل سجادتي وسريري بدموعي، ولا أعرف كيف أتقرب لوالدي! أريد أفضل طريقة لرده ليكلم أباها، فأنا لا أقدر على نسيانها، ولا أريد حياة يتيم وأبواي بالحياة.
هل أتصل كأن شيئًا لم يحصل، وأذكره أن يتصل بأبيها؟ هل أستفسره فأعطيه فرصة للتراجع؟ هل أصمت كما أنا الآن؟ وماذا أقول للفتاة؟ أنا أتجنبها حرجًا، وهي تتجنبني خوفًا أن ترى اليأس في عيني أو أن تنهال علي بكلام لا عودة بعده.
أفيدوني -رحمكم الله-، وأحسنوا إلي؛ فحياتي تضيع أمام عيني، أرى المرض النفسي يتسلل نحوي، والزنا يأتيني من كل صوب، لولا رحمة ربي.
جزاكم الله خيرًا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:
فمرحبًا بك مجددًا في مستشارك الخاص، وجوابًا على استشارتك أقول:
لا شك أن ثمة سببًا جعل والدك يتراجع عن الحديث مرة أخرى مع والد الفتاة؛ ولذلك لم يتكلم مع والدتك بهذا الموضوع، فلا بد إذن من معرفة أسباب رفضه.
يمكن التعرف على السبب عن طريق والدتك أو أخواتك، على أن يكون ذلك بأسلوب حكيم.
لن تجد أحدًا أحرص على مصلحتك وسعادتك مثل والديك، وأنا لا أشك ولا أرتاب أن تصرفاتهما صادرة من حرصهما على مصلحتك، فإياك أن تسيء الظن بهما.
اتباعهما في هذا الباب نوع من البر، وإغضابهما ومخالفتهما عقوق، والله تعالى قد أمرنا ببرهما، وقرن الإحسان إليهما بعبادته وتوحيده، فقال سبحانه: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) وقال: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
إنني أدرك احتياجك للزواج، وأقدر مشاعرك، لكنني أحذرك من أن تكون مصادمًا لقضاء الله وقدره؛ فالزواج رزق من الله يسير وفق قضاء الله تعالى وقدره، وليس بإرادتنا نأخذ ما نشاء متى نشاء، ونترك ما نشاء متى نشاء، ولعلك تدرك أن مشيئة الله هي النافذة كما قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
حرصك الشديد على الزواج بهذه الفتاة لن يكون كافيًا للزواج بها ما لم يكن قد كتب الله أنها من نصيبك، فعليك أن تكون مدركًا لهذا المعنى؛ حتى لا تنصدم في حال رفض والداك، وتتسبب بجلب أمراض نفسية لنفسك.
صل صلاة الاستخارة، وادع بالدعاء المأثور، وفوض الأمر لله يختار لك؛ فاختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه، ثم تحين الوقت الملائم للتحدث مع والدك برفق وحكمة، مستفسرًا عن سبب رفضه، أو فوض الأمر لوالدتك أو أحد المقربين إلى والدك من إخوانك؛ فإنه كما يقال إذا عرف السبب بطل العجب؛ فلعلك تقتنع برأيه، أو أن امتناعه يكون دليلاً على أن الله اختار لك عدم الارتباط بها.
إن كانت هذه الفتاة من نصيبك فسوف تتزوج بها، وسوف تذلل لك كل العقبات، وإن لم تكن من نصيبك فلن تستطيع الزواج بها ولو أنفقت كنوز الدنيا.
تصرف هذه الفتاة هو ما ينبغي أن يكون عندك، فهي لم تعول على مجرد اتصال والدك بوالدها، بل حتى لو تمت الخطبة؛ فإنها ستبقى مترقبة لحدوث أي إشكال أثناء الخطبة؛ فقد تفسخ الخطبة بسبب إشكال آخر.
اعتقادك بأنك لن تجد فتاة بصفاتها خاطئ؛ فلا يزال الخير موجودًا في بنات المسلمين.
لعل والديك يودان أن تكون زوجتك بكرًا، ولا شك أن ذلك أفضل من الثيب، كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم جابر بن عبد الله حين تزوج ثيبًا فقال له: (هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك).
إياك أن تكون هذه الفتاة سببًا في عقوقك لوالديك، فغلب جانب رضا الوالدين؛ لأنك لن تفلح إن أغضبتهما، ولن تقوم لك قائمة إن دعوا عليك؛ فالفتيات كثر -ولله الحمد-، ولم يضيق الله عليك، لكنك إن فقدت والديك؛ فمن أين ستأتي لنفسك بوالدين؟!
قلت في استشارتك: (إنك لم ترد على إهانته لك وعن كل ما فعل بمشروع حياتك) فعدم الرد هو الواجب لكن قولك: (إنه أهانك) لا يليق أن يصدر منك؛ فوالدك لم يهنك ولم يدمر مشروع حياتك، بل إنه يريد لك الأفضل والأكمل، فلا يوجد أحد يريد أن يكون غيره أفضل منه إلا الوالد لولده.
لقد تشاجرت مع والدتك بسبب هذه الفتاة، ورفعت صوتك عليها، هذا وأنت لم تتزوج بتلك الفتاة بعد، فكيف إن تزوجت بها؟! ولقد أحسنت حين اعتذرت منها، لكن إياك أن تكرر مثل هذا الموقف، فكن مخفضًا لجناح الذل لوالديك كما قال تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).
ابق على تواصل مع والدك برسائل المودة والمحبة والاحترام، مستثيرًا عواطف الأبوة لديه، مذكرًا له أنك لن تخالف أمره فيما يراه في جميع أمورك، وأن بره خير من الدنيا وما فيها، متأسفًا إن كنت قد أغضبته.
لعله بعد عدة رسائل يتواصل معك، وإن لم يتصل فبادر بالاتصال عليه دون أن تفاتحه بالأمر؛ فلعله هو من يبدأ بذكر الموضوع، وإلا فتحين الوقت الملائم واستشره استشارة عن رأيه بالزواج من تلك الفتاة، وإن أجلت الحوار معه بشأن زواجك حتى تلتقي به وجهًا لوجه فذلك أفضل.
بين لوالدك أنك لن تخالف رأيه، وأنك تريد فقط أن تستمع لوجهة نظره، فإن رأيت الأجواء مناسبة للنقاش فناقشه، وإلا فاكتف بمعرفة وجهة نظره.
أنت تفكر بالزواج بعاطفة، وهذا لا يكفي، بل يجب أن تعمل العقل وتقدر بين المصالح والمفاسد، وأحذرك من أن تعلق نفسك بفتاة بعينها؛ لعله يأتيها نصيبها غدًا؛ فتتركك وتمضي بحالها، وتبقى أنت هائمًا بحبها معذبًا بالتعلق بها، فها أنت كما ذكرت أنك تبيت تبكي شوقًا لها.
نسعد بتواصلك، ونسأل الله تعالى أن يختار لك ما فيه الخير، والله الموفق.


اضافة تعليق