أنا أم، ولدي 3 أطفال، والرابع في الطريق -إن شاء الله-، حالتنا المادية ميسورة جدًا -ولله الحمد-، زوجي ملتزم دينيًا ومحافظ -ولله الحمد-، ولكن في الفترة الأخيرة عانى الكثير من الضغوطات النفسية لمشكلات كانت موجودة وحلت الآن -ولله الحمد-، ولكني لاحظت تغير سلوكه في الآونة الأخيرة، ويتلخص في: الحركة والنشاط الدائم، والمزاج المتغير والمتقلب، الانفعال السريع و”الروقان” السريع، عدم الأكل كثيرًا، وعدم الحاجة للنوم كثيرًا، ضعف التركيز؛ فبحثت خلفه ووجدت كلمات تدل على أن هناك شيئًا غير طبيعي، وهي: “عندك كرس..وفيه غير هذا المرض هذا..” ومن هذه الكلمات، وكان يمسح هذه الرسائل.
لا أعرف كيفية حل هذه المشكلة! أنا مصدومة أن زوجي ملتزم ولجأ لهذه القاذورات، فكيف أتصرف؟ هل أواجهه وأنصحه، أم أحاول نصحه بطريقة غير مباشرة، أم ألجأ لأطراف مساعدة؟
أرجو إفادتي ومساعدتي قبل أن يضيع زوجي أكثر وأطفالي وبيتي. جزاكم الله خيرًا، وشكرًا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:
فمرحبًا بك أختنا الكريمة في مستشارك الخاص، وردًا على استشارتك أقول:
فشكر الله لك حرصك على زوجك وسمعته، وبحثك عن الحل لإنقاذه من حمأة المخدرات والسلوكيات الخاطئة.
فالذي أتوقعه من خلال وصفك للتغيرات السلوكية التي حصلت لزوجك أنه يتعاطى مادة الكبتاجون، والذي هو أحد مشتقات مادة الأمفيتامين، وهي مادة كيميائية منشطة من آثارها تعديل المزاج، وتقليل شهية الأكل، وتقليل الحاجة إلى النوم، وتوجد عند متعاطيها نشاطًا غير معتاد، وفي حال قلة أو انعدام تركيز المادة في الدم تسبب انقلابًا في المزاج، وينتج عن ذلك قلة التركيز.
اقتربي من زوجك أكثر، وأكثري من الحوار الهادئ والهادف معه، وأثناء الحوار سليه عن أسباب تغير سلوكياته، كفرط النشاط والمزاح الذي لم يكن معتادًا عليه من قبل؛ كون ذلك لفت نظرك، وأن وراء ذلك أسبابًا تدور في ذهنك؛ وفي ذلك رسالة لعله يفهمها.
كثير من الناس لا يكتشفون المتعاطي لهذه المادة؛ كون آثارها غير ملفتة للانتباه، وأعراضها قد لا توجد الريبة عند من يعيشون معه، ولكن من فضل الله عليك أنك تنبهت لتغير سلوكياته، فإياك أن تتواني عن متابعة الأمر قبل أن يصبح مدمنًا؛ وحينئذ يصعب علاجه، وعليك بالرفق والحكمة؛ فالرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
استغلي التزامه، وذكريه بالله تعالى ونعمه الظاهرة والباطنة عليه، ومراقبته لجميع تصرفاته، يقول تعالى: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ*وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) وأن الله وكل بكل إنسان ملكين يكتبان كل تصرفاته فقال: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) وقال: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ*كِرَامًا كَاتِبِينَ*يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ).
ذكريه بالموت، وأنه يمكن أن يأتي للإنسان في أي لحظة، فليكن العبد مستعدًا بالأعمال الصالحة مبتعدًا عن كل ما يسخط الله.
ابعثي إليه بالمقاطع المؤثرة المسموعة والمرئية، ومن بينها ما يتعلق بالمخدرات، وخاصة المادة التي ذكرناها سابقًا؛ فلعل ذلك يزجره.
تابعي أداءه للصلاة، ومريه أن يحافظ على أدائها؛ فإن من ثمار الحفاظ عليها أنها تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ).
ذكريه بنعمة الله عليه؛ حيث انتهت مشاكله والضغوطات التي كان يعاني منها؛ وذلك يعود لفضل الله ورحمته قبل كل شيء، فينبغي أن يقابل الله بالشكر والطاعة، والابتعاد عن العصيان، وذكريه بأن كفران نعم الله من أسباب انتقامه كما قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).
لا شك أن وراء تعاطيه لهذه المادة رفقاء سيئين، فاجتهدي في إنقاذه منهم؛ فإنهم سم زعاف وبصماتهم ظهرت عليه سريعًا، وقد حذرنا نبينا عليه الصلاة والسلام من جلساء السوء فقال: (إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالحِ والجَلِيسِ السّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِير، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً؛ وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) ويقول عليه الصلاة والسلام: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) ويقال في المثل: الصاحب ساحب.
لا يقع المسلم في شراك أي نوع من المخدرات إلا في حال ضعف الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) أي تام الإيمان، فاجتهدي في تقوية إيمانه من خلال أداء الفرائض، والإكثار من النوافل، ومشاركته في بعض الأعمال الصالحة.
أوصيك بالدعاء؛ فإنه سلاح فعال يغفل عنه كثير من الناس، فتضرعي بالدعاء بين يدي الله تعالى وأنت ساجدة، وسليه أن يلهم زوجك رشده، وأن يصلحه ويجنبه رفقاء السوء، ويوفقه للإقلاع عن كل العادات السيئة، وأكثري من دعاء ذي النون؛ فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون، إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين؛ فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له).
عليك بالصبر؛ فالصبر عاقبته حميدة، وكوني متأنية في كل أمورك، واحذري من العجلة؛ يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (التأني من الله والعجلة من الشيطان).
من علامات وجود الخير في العاصي: التكتم والسرية؛ فذلك مؤشر على إمكانية التعافي مما هو فيه، كما قال عليه الصلاة والسلام: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) ولهذا فهو يخاف أن تكتشفي ما يفعله، ويحذر أن يترك أي آثار تدل على ذلك، فينبغي ألا تفشي سره للناس؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى مجاهرته.
إضافة إلى ما ذكرناه سابقًا: فإن أفضل أسلوب لمعالجته هو الأسلوب غير المباشر؛ فالحليم بالإشارة يفهم، فإن نفع هذا الأسلوب فذلك هو المطلوب.
تعافيه سيظهر من خلال عودته إلى طبيعته الأولى، فإن رأيت عدم تغيره؛ فاكتشفي نقاط ضعفه للضغط عليه من خلالها؛ كي يقلع عن تعاطي تلك المادة.
إن لم ينفع كل ما ذكرنا؛ فلا بد من مواجهته، ولكن بأسلوب حكيم، فتلمحين له أنك اكتشفت منذ زمن أنه يتعاطى مادة دون ذكر اسمها هي التي غيرت سلوكياته، وأنك حاولت بأساليب متنوعة لإصلاحه ولكن دون جدوى، مع بيان أنك حريصة على سمعته، وأنك لم ولن تخبري أي أحد بذلك، ولن تتخلي عنه، بل ستقفين بجواره حتى يتخلص منها.
خوفيه من تشوه سمعته وتدمير بيته وتأثر أبنائه، وأن رفقاء السوء سيتركونه في أحلك الظروف بعد أن تتدمر صحته وتتلطخ سمعته.
أكثري من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فذلك من أسباب تفريج الهموم، كما قال عليه الصلاة والسلام: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا) وقال لمن قال له أجعل لك صلاتي كلها: (إذًا تكفى همك ويغفر ذنبك).
اجتهدي في تقوية إيمانك، وأكثري من الأعمال الصالحة؛ توهب لك الحياة الطيبة، والتي من أساسياتها صلاح زوجك، يقول تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
أكثري من تلاوة القرآن الكريم، وحافظي على أذكار اليوم والليلة؛ يطمئن قلبك، كما قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَابِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
نسعد بتواصلك، ونسأل الله تعالى أن يصلح زوجك، ويلهمه الرشد، وأن يقر عينيك بصلاحه، ويسعدك، إنه سميع مجيب.


اضافة تعليق