أنا شاب ببداية شبابي، أعاني من مشكلة سببت لي عقدة نفسية وهي: أن أبي يأخذ أغلب راتبي، ويتعذر أن عليه ديونًا، وليس عليه دين ولا شيء، ولكنه طمع، ويحذرني أني لا أخبر أحدًا أنه يأخذ بطاقتي، راتبي 4500ريال، يعطيني 1000 ألف ريال، والباقي له، ومنذ أن توظفت قبل ثلاث سنوات وبطاقتي معه، يأخذ 3500 ويعطيني 1000، وكلما أقول له بطريقة حلوة: (ما ودك الشهر هذا تكرم علي مكرمة وتعطيني راتبي كاملًا)، فيغضب ويرفع صوته، ويقول: “أنت ما تستحي” تريد أباك يدخل السجن من أجل الديون.
للعلم: راتب أبي أكثر من 15000 ريال صاف، وقد جاءتني عقدة نفسية من أصحابي وإخواني، فأصحابي يقولون: تخيلوا واحدًا راتبه 4000، ولا يعشينا ولا يشتري ملابس جيدة، والذي يراه يظن أنه شحات، ويأتي آخر فيقول: يا لله لا تبلانا بالبخل، صحيح أنهم يقولونها بمزح واستهبال، لكن والله أني أمسك دمعتي، وأضحك معهم، وأقول: أنتم لا تدرون بالخافي، فيقولون: ليس هناك خاف ولا شيء، أنت بخيل وعفن، وأبي محذرني أن أقول لأحد أن بطاقتي معه.
أبي هداه الله لم يعطني فرصة، لي ثلاث سنوات لا أعطي ريالًا واحدًا لأمي، ولا استلمت ولا راتب كاملًا، وأبي يواصل عذره يقول: علي دين، ولو جاءه شحات يقول: اعطني، يعمل نفسه كريمًا، وإذا طلبناه أنا وإخواني لا يعطينا، ودائمًا يشتري ذبائح ويعزم أصدقاءه، يعني: بالعربي كريم على غيرنا وبخيل علينا، وأنا والله لا أريد المشاكل بالمحاكم والشرطة.
وبالنهاية سؤالي: أريد طريقة محترمة أقول لأبي: خلاص يكفي الوظيفة لي وليست لك، أعطني راتبي لي، وراتبك لك دون أن يغضب، أرجوكم ساعدوني.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:
فمرحبًا بك أيها الولد المبارك، وردًا على استشارتك أقول:
جزاك الله خيرًا على ما قدمت وتقدم لوالدك، فإن ذلك من البر، ولن يذهب أجر ذلك سدى أبدًا، بل سيجعل الله لك البركة في عمرك ورزقك.
لا تبال بكلام الشباب أو كلام إخوانك، فأنت في بر وإحسان لوالدك ولم ترتكب إثمًا، بل ينبغي أن ترفع رأسك عاليًا وترفع يديك شاكرًا لله تعالى.
صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [أنت ومالك لأبيك]، لكن المسألة فيها تفصيل، فأنت لك متطلباتك في الحياة كالملبس ومصاريف شخصية أخرى، وتريد أن تتزوج وتدخر مبلغًا من أجل ذلك وتحتاج أن تدير حياتك بطرقة صحيحة، ومسألة أن للأب حقًا أن يأخذ من مال والده هذا إن زاد ذلك على احتياجات ولده، وبشرط ألا يذهب ذلك إلى غير مصاريف الأسرة إلا إن طابت نفس الولد غير أن والدك ليس بفقير فراتبه كبير ولله الحمد، والأفضل له أن يترفع عن ذلك، وإن كان لا بد فاعلًا فليدخر لك المبلغ إن كان يخاف من سوء تدبيرك.
بحسب استشارتك واضح أن والدك يتصرف بطريقة ظالمة في أخذ نحو ثلاثة أرباع راتبك والأصل أن المال مالك ما لم تتصرف به بطريقة سيئة، وما أخذه الوالد لا بد أن تكون نفسك طيبة بذلك، لأنه داخل تحت الحديث [لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه]، خاصة أنك على يقين أنه ليس محتاجًا لذلك وأنه ليس عليه ديون.
أرى أن خوفه من أن يعلم أحد بما يفعله نقطة ضعف عند والدك، يمكنك الضغط عليه من خلالها، فتقول له إنك بحاجة إلى أن تدخر لنفسك مبلغًا لمواجهة متطلبات الحياة في المستقبل، ولذلك يأخذ ألفين ويعطيك ألفين، ما لم ستضطر لأن تكلم والدتك وإخوانك بذلك، وليكن كلامك معه بأسلوب راق مع تحين الوقت والمكان المناسبين.
إن لم يقبل، فاتبع أسلوب الخطوة خطوة معه، وذلك بأن تتفق معه على أن يكون لك الثلث وله الثلثان في البداية، وبعد فترة تصل معه إلى المناصفة، وهكذا حتى يتأقلم والدك مع الوضع وتصل إلى مبتغاك.
إن وافق فضع المبلغ في حساب آخر، بحيث لا يعلم عنه شيئًا، وإن رأيت أن تخويفه سيؤدي إلى نتيجة عكسية، فأتمنى أن تسر لوالدتك بما يفعله والدك، فليس صحيحًا أن يبقى الأمر سرًا بينك وبينه، واطلب منها ألا تخبره بذلك، فلعلها تكون أكثر حرصًا على مصلحتك، وهي بدروها تحاور والدك وتسأله عن راتبك أين يذهب، فإن أخبرها فتقنعه بأسلوبها أنه ينبغي أن تعكس الحسبة من الآن فصاعدًا، فيأخذ ألف ريال ويعطيك الباقي من أجل توفير المبلغ لغرض زواجك وتأسيس حياتك وتلبية متطلباتك، فاتخاذها شفيعًا قد يوصلك إلى مرادك، لأنه كما يقال ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرًا مثل الشفيع الذي يأتيك عريانًا.
إن كان والدك يتحجج بالديون وأنت قد قلت إنك على يقين أنه لا ديون عليه، فاطلب منه أن يبين ما هي تلك الديون من أجل التعاون على جدولتها، لأنه ليس صحيحًا أن تبقى تلك الديون إلى ما لا نهاية له وعلى حسابك أنت.
لا بد من إعادة النظر وترشيد الإنفاق في البيت وتقديم الضروريات على الحاجيات والتحسينات، وتقديم احتياجات أسرتك على الضيافات كونها على حساب ميزانيتكم وحياتكم، وما أكثر ما يحصل في الضيافات من الإسراف والتبذير والشرع ينهى عن ذلك، والعقل يدل على الترفع عن العبث بالمال.
ناقش مع والدك موضوع زواجك، فهو أهم من الضيافات، ولا بد من أن تبدأ الترتيب لذلك من الآن.
المال مالك، فما زاد عن حاجتك فلا بأس أن يأخذ والدك منه إن كان محتاجًا من أجل النفقة على بقية أفراد الأسرة، لكن حاجتك مقدمة شرعًا على ذلك، فلا ضرر ولا ضرار.
عليك بالحكمة والحلم مع والدك، واتبع أسلوب الحوار الهادئ والهادف، وتحين الأوقات والأماكن المناسبة للحوار.
بإمكانك التفتيش والنظر عمن يمكن أن يقنعه بذلك، وكلما كان الشخص من داخل أسرتكم كان ذلك أفضل.
من الحلول أن تستدين مبلغًا وتضعه في حساب آخر لا يعرف عنه والدك شيئًا، بحيث يتم التقسيط من رابتك بواقع ألف ريال شهريا وتبقى تأخذ الألف ريال من والدك كما هو معتاد، وبهذا تتناصف أنت ووالدك بالمرتب وهذا أهون من أن يأخذه كله.
إن امتنع عن إعطائك الألف ريال، فارفع الخصم من الراتب إلى ألفين، بحيث لا ينزل إلى الحساب سوى الباقي.
أتمنى أن يكون الاتفاق بينك وبين والدك بيسر وسهولة، فذلك أدعى لسلامة القلوب ولبقاء الود بينكما والرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه، مع التذكير أنه يحبك، ولا بد أن تفرق بين محبته الفطرية لك وسلوكه الخاطئ حتى لا تقع في العقوق.
نسعد بتواصلك، ونسأل الله تعالى أن يلهم والدك رشده ويرزقك بره إنه سميع مجيب.


اضافة تعليق