هل يجب بر أبي وهو مغضوب عليه من ناحية الأم، ولا يمت للآباء بأي صلة، فليس له قلب ولا شعور؟ أقسم بالله أني أكرهه أكثر من إبليس، منافق وكاذب وحقود، مغرور ومتكبر، وقد حاولنا أنا وإخوتي آلاف المرات إصلاحه، ولكن بدون فائدة! حطم كل أمل لدينا بالحياة، وكسر قلوبنا -حسبي الله عليه-، كل مرة أراه فيها أرى فرعون؛ لأنه يمتلك نفس صفاته، حتى أمه كان يأتي بعرضها في الكثير من الأحيان، ماذا نفعل -جزاكم الله كل خير-؟!
حاليًا أنا وأخي الكبير مقاطعان له، ولا نتكلم معه نهائيًا؛ درءًا للمشاكل، وأخواتي البنات يتكلمن معه فقط ليسمح لهن برؤية أمي فقط، ولو أن ربي لم يحرم القتل؛ والله لأصغر شخص من عائلتنا على استعداد لنحره والتخلص منه، الله لا يسامحه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:
فإن الله لما أمر ببر الوالدين والإحسان إليهما لم يذكر شيئًا من صفاته التي يستحق بها ذلك إلا صفة الأبوة، وأنتم لا يمكن أن تتبرؤوا من أبوته مهما كان ظالمًا وبطاشًا؛ فهو أبوكم والسبب في وجودكم في هذه الحياة الدنيا، فيجب عليكم أن تحسنوا إليه ما استطعتم إلى ذلك سبيلاً، فإذا كان الله تعالى قد أمر ببر الوالد الكافر؛ فوالدكم المسلم من باب أولى مهما كان يحمل من الصفات السلبية قال تعالى: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ).
لن تسألوا عن شيء من ذنوبه؛ فهو وحده الذي سيتحملها، ولكن من باب البر به أن تنوعوا معه أساليب النصح والوعظ، وأن تسلطوا عليه الخيرين من الناس للأخذ بيده؛ فذلك من البر به، وعليكم بذل الأسباب، والهداية بيد الله، ولا تيأسوا من روح الله؛ فلقد كان يوجد على ظهر الأرض عتاولة وصناديد الكفر هداهم الله فأصبحوا من خيرة خلق الله!
لعل دعوة أصابته من أمه، فأتمنى إن كانت حية أن تذهبوا وتسترضوها وتتذللوا بين يديها، وتطلبوا منها أن تسامحه، وأن تدعو له بالهداية والصلاح؛ فدعوة الأم مستجابة.
أدوا الذي عليكم، واسألوا الله الذي لكم، ولا تقابلوا السيئة بالسيئة، ولكن قابلوها بالإحسان، وادفعوا بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
اجتنبوا كثرة الاحتكاك به وكل عمل يؤدي إلى التشاجر معه، وبروا به من الناحية المادية قدر استطاعتكم.
لا بد أن تفرقوا بين كره أفعاله وصفاته وكره ذاته؛ فكره صفاته وأفعاله واجب، وأما كره ذاته فلا يجوز لكم، وللتمثيل كيف أنه يمكن الفصل بين كره الذات وكره الفعل: الرجل المسلم يتزوج بيهودية أو نصرانية، فهو يكره معتقداتها وعباداتها الباطلة، لكنه يحبها كزوجة ويودها.
شقوا طريقكم نحو المستقبل متوكلين على الله تعالى ومستعينين به، ولا تجعلوا إشكالاتكم مع والدكم تكبلكم عن الانطلاق، بل أعطوا لكل أمر حقه ومستحقه.
الإبداع والتميز يخرج من رحم المعاناة، ومن كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة؛ فأتمنى أن تجتازوا كل مشاكلكم بطريقة صحيحة.
لا تجعلوا تراكمات الحياة يؤثر على تحصيلكم العلمي، ولا على طموحاتكم، بل اجعلوا ذلك زادًا ونبراسًا للتميز عن الآخرين الذين يعيشون في راحة ورغد.
أكثروا له من الدعاء، وتحينوا أوقات الإجابة، ومن طرق باب الله أجابه؛ فلعلكم توافقون ساعة إجابة فيستجيب الله لكم، ويصلح حال والدكم، وما ذلك على الله بعزيز؛ فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
أكثروا من دعاء ذي النون؛ فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون، إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين؛ فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له).
اجتهدوا في توثيق صلتكم بالله تعالى، وتقوية إيمانكم، وأكثروا من الأعمال الصالحة؛ فذلك سيجلب لكم الحياة الطيبة كما وعد الله تعالى من توفر فيه الإيمان والعمل الصالح، ومن لوازم الحياة الطيبة هداية الوالد وصلاحه، يقول تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
الزموا الاستغفار، وأكثروا من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فذلك من أسباب تفريج الهموم، يقول عليه الصلاة والسلام: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا) وقال لمن قال له أجعل لك صلاتي كلها: (إذًا تكفى همك ويغفر ذنبك).
أكثروا من تلاوة القرآن الكريم، وحافظوا على أذكار اليوم والليلة؛ تطمئن قلوبكم، كما قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗأَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
نسعد بتواصلك في حال أن استجد أي جديد في حياتكم، ونسأل الله تعالى أن يقر أعينكم بهداية والدكم وصلاحه، إنه على كل شيء قدير.


اضافة تعليق