السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
توفي والدي منذ سنتين، ومنذ فترة وجدت أمي (عمرها 46) رجلاً يهتم بها، ووعدها بالزواج القريب، وقد علمتُ عن هذا الرجل أنّه حسن الأخلاق، ولا ينوي شرًا.
انزعجت في أول الأمر من فكرة خروج أمي مع رجل غير أبي، لكنّي أقنعت نفسي أنَّنا كبرنا، وأصبح لكل واحد منّا حياته الخاصة التي يختارها هو، إلا أنَّ أخي البالغ من العمر تسعة عشر عامًا منزعج جدًا من وجود هذا الرجل في حياة أمي.
وحدث منذ أسبوعين أن رآهما صدفة سويةً في الطريق، وعاد إلى المنزل وبدأ بسب وشتم أمي! وإلى الآن هو لا يحدثها إطلاقًا، ولا يسلّم عليها، ولا يساعدها بشيء أبدًا، وسألته عن سبب شتمه لأمي أمامها: فأخبرني بأنّه رآهما.
الآن أمي منذ أسبوعين وهو تبكي وتتوتر؛ فهي لا تريد هذا الجفاء من ابنها وبذات الوقت هي متعلقة بذاك الرجل، وأمي مستمرة بالطبخ لأخي وغسل ملابسه والقيام بسائر أموره.
لا تهون عليّ دموع أمي، ولا أريد أن يكون بين أمي وأخي هذا العداء بعد أن كانا صديقين! فكيف أحدث أخي؟ وكيف أجعله يعتذر من أمي وتعود المياه لمجاريها؟.
ولقد توفيت أم صديق أخي، ومع ذلك لم يتعظ أنّه يضيع الوقت بهذا البعد عن أمي، وإنَّ أخي يصاحب فتيات في الجامعة، ويتصرف بالحرية المطلقة، فلماذا لايرى أنّه على غلط؟.
المشكلة أنَّ أخي لم يبلغ به الإيمان مبلغًا ليتعظ بعواقب عقوق الوالدين وبالعفو لوجه الله وأمور الآخرة، فمن أي باب آتيه؟.
جزاكم الله خير الجزاء.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وشكرًا على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:
مرحبًا بك -ابنتي الكريمة- في مستشارك الخاص، وردًا على استشارتك أقول:
إنّني أقدر حاجة أمك لرجل تعيش في كنفه غير أنّها ليست مراهقة بحيث تخرج مع رجل أجنبي مهما كان يودّها ويرغب في الزواج بها؛ فذلك لا يليق بها لا شرعًا ولا عقلاً.
من حقها أن تتزوج ولا ينبغي لأي من أولادها أن يمنعها من حقها الطبيعي ما لم يكونوا صغارًا يخشى عليهم من الضياع؛ فهنا يكون تقدير المصالح والمفاسد، وأنتم -ولله الحمد- قد صرتم كبارًا.
كون أخيك له علاقات مع فتيات لا يبرر لوالدتك فعلها ولا لك أن تبرري ما فعلته، وإن كان هذا الرجل جادًا في الارتباط بوالدتك فليأت البيوت من أبوابها.
أتمنى أن تجلسي مع أخيك جلسة ودّية وفيها تخبرينه بتفهمك سبب غضبه من أمك وحسن مقصده، لكن هذا لا يبيح له أن يهجرها أو يتكلم معها بقسوة؛ فهي أمه وسبب في وجوده، وحقها البر والإحسان، وكان بإمكانه أن يلومها بكلام في غاية من اللين يجعلها تعترف بخطئها وتقدم اعتذارها.
ذكريه بقول الله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}، ثم سليه: هل تعامله معها ينطبق مع توجيهات هذه الآية الكريمة.
مما نهى الله عنه أذية الوالدين بالقول أو الفعل يقول سبحانه: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}، فهل بعد كلامه معها بتلك القسوة وهجره لها من أذى!.
لقد أمر الله ببر الوالدين والتعامل معهما بالحسنى ولو كانا كافرين، فهل بعد الكفر ذنب! فكيف بمسلم وقع في مخالفة يقول تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، وقال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
لا ينبغي لأخيك أن يعالج الخطأ بخطأ أكبر منه وأشد فداحة، وعليه أن يكون حليمًا ورحيمًا ورفيقًا؛ فالرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
أخبريه بأنَّ أمّه شاعرة بخطئها، ولذلك دمعتها لا تفارق وجنتيها، ومع هذا قائمة بخدمته وبإمكانها عدم الالتفات إليه والدعاء عليه، والمضي قدمًا نحو ما تريد، وسيكون هو الخاسر في الدنيا والأخرى، لكنّها من شدة حبها له لا تريد أن تصل إلى ذلك.
ينبغي أن تذكّري أخاك بهذه المعاني التي قد تكون غائبة عن ذهنه، أو أنّ شدة غيرته على أمه أنسته هذه المعاني.
تحدثي معه برفق ولين، وذكريه بالله تعالى وخوفيه من عقوبة العقوق؛ فبكاء الوالدة ليس أمرًا هينًا، وحرقة قلبها قد تجعلها تدعو عليه، وإن دعت فلن يجد خيرًا في حياته.
عليه أن يسارع في الارتماء في حضنها، وتقبيل رأسها ويدها، ويطلب منها المسامحة، ويتفاهم معها بخصوص ذلك الرجل بطريقة منطقية، ولا يمنعها من حقها الشرعي؛ فكونه يعينها على إشباع عاطفتها وغريزتها من البر بها.
احتووا القضية واحذروا أن يخرج الكلام إلى خارج البيت فتسقط مكانة أمك وتتشوه سمعتها.
نسعد بتواصلك، ونسأل الله تعالى أن يوفقك للإصلاح بين أمك وأخيك، وأن يجري الخير على يديك، إنَّه سميع مجيب.


اضافة تعليق