لدي مشكلة أتمنى أن تعينوني فيها. فأنا رجل متزوج ولدي طفل -ولله الحمد-، وأموري بخير، وأشغل وظيفة جيدة، لكن مشكلتي مع عائلتي التي هي أمي وأبي، وأخي وأختي.
أمي لا تقبل أن أتحدث في أمور تخص العائلة، خاصة معي. كان من طبع أمي أن تقلل من شأني وتقلل احترامها لي، وهي ترى وجوب ذلك؛ كي تجعلني أفضل ومثل الناس. والواقع أنها لا ترى في صفات إيجابية كثيرًا؛ لأنها ترى الكل أفضل مني دائمًا. وبسبب عمري تأقلمت مع الأمر، ولم يعد يزعجني مقارنتي مع الغير، إلا أنني ما زال يدخل عليّ الحزن الكثير أن والدتي (من بين كل الناس سواءً أقارب أو أصدقاء أو زملاء) لا تحترمني، فالكثير أعرفهم يحترمونني ويقدّرون رأيي وثقافتي، وما ذلك إلا منّة من الله عز وجل أتمنى أن أكون أهلاً لها، إلا أن أمي لا ترى ذلك.
وبعد أن سعيت في إرضاء الله عني (كما يقولون “التزمت” قليلاً) زادت الفجوة، رغم سعيي في إرضائها. وللأمانة هي لا تنكرني كما كانت، وهي في حال أفضل، خاصة أني أعينها ماديًا بأكثر مما تطلب، ولا أرى في ذلك فضلاً مني، لكن هناك فجوة غير بسيطة تجعلني أشعر بالبعد، خاصة أن أختي مسافرة مع والدي، وهي تظهر أنها تحاول التمرد قليلاً، وأمي إما أنها لا تقول لها شيئًا أو أنها تشجعها. ورغم أني ابنها الأكبر، لكن لا أنال الاحترام الذي أرى أني أستحقه كوني أكبر من إخوتي، وليس لكلمتي وزن لديهن.
أما والدي؛ فهو للأسف ضعيف ومنسحب، يرى أنه قوي بغضبه أو لامبالاته، لكنه مقصر جدًا ولا يدلي برأيه.
أما علاقتي مع أخي؛ فهي طيبة -ولله الحمد-، ولكن لا يسعى لإصلاح الأمر (ويبدو أنه مستسلم ولا يرى أن هنا حلاً).
وببساطة: أشعر أن عائلتي مشتتة؛ وهذا يحزنني كثيرًا، وأحاول كثيرًا التقرب لهم، لكنهم لا يريدون ذلك، أشعر وكأني صديق العائلة وليس واحدًا منهم. حتى أني كثيرًا ما أحاول التخفيف من التزامي بدين الله؛ كي أتقرب إليهم. وببساطة: أختي تميل إلى الكشف بحكم تأثرها بالسفر، ووالدتي تستهين ببعض الأمور، وكلاهما في ابتعاد متزايد عن دين الله، ولا يريدون مني أن أنصحهم نصيحة محب، وأخشى فعلاً أن الأمر إذا استمر وأكثرت من نصحهم أن تنقطع علاقتنا نهائيًا.
وأصعب ما في الأمر: أني لا أستطيع أن أبوح بهذا الأمر (الذي أعانيه من سنين) لأي أحد؛ لأني لا أستطيع أن أذكر أمور عائلتي لغيري، فهل هناك أمل في عائلتي التي لا تريد أصلاً أن تصلح الأمور، أم أنه عليّ أن أقبل الأمور كما هي وأستسلم؟
جزاكم الله خيرًا، وأسأل الله فرج الهم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:
فمرحبًا بك أخي الكريم في مستشارك الخاص، وردًا على استشارتك أقول:
لقد قرأت استشارتك بتمعن، وشعرت بالحزن العميق لما وصل إليه حال كثير من الأسر، وسأضع بين يديك بعض الموجهات العامة التي أسأل الله تعالى أن ينفعك بها، وأن يجعلها سببًا لترابط أسرتك، إنه سميع مجيب.
اقترب من أمك أكثر، وبر بها، وارتم بين يديها، واخفض لها جناح الذل من الرحمة، وأشعرها بحبك وحنانك، وصلها وابذل لها ما استطعت من المال؛ فذلك سيلين قلبها بإذن الله تعالى.
قدم لها ما بين الحين والآخر بعض الهدايا الرمزية التي ترى أنها تفرحها؛ فالهدية همزة وصل بين القلوب، وتسل السخائم، وتوطد المحبة؛ يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (تهادوا تحابوا).
أثبت لوالدتك من خلال ممارستك العملية أنك أهل وجدير بالثقة، وأنك على خلاف ما تعتقده فيك، ولا تدخل معها في أي نقاش عن الأسرة، فمع الأيام ستبتدئك الكلام بنفسها.
ما يحصل من التمزق الأسري سببه ضعف الإيمان والذنوب التي يرتكبها البعض منهم، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (والذي نفس محمد بيده؛ ما تواد اثنان ففرق بينهما، إلا بذنب يحدثه أحدهما) فإذا تغير حال الأسرة وظهرت الجفوة؛ فاعلم أن ذلك عقوبة ذنب حدث منهم أو من بعضهم، إن تابوا إلى الله من كل ذنب اسقام الود بينهم.
أتمنى أن تجتهد في توثيق صلة أسرتك بربها وتقوية إيمانها؛ فذلك جزء كبير من العلاج، وإن تقوى الإيمان صلحت السلوكيات والأخلاق؛ كونها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالإيمان، يقول عليه الصلاة والسلام: (والله لا يؤمن -ثلاثًا-، قيل من يا رسول الله؟ قال من لا يأمن جاره بوائقه).
عليك أن تجتهد في تقوية إيمانك، فحافظ على أداء ما افترض الله عليك، وأكثر من نوافل الأعمال الصالحة؛ فذلك سيجلب لك الحياة الطيبة كما وعد الله بقوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
تضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى وأنت ساجد، وسله أن يصلح الله أسرتك، وأن يؤلف بين قلوبكم، واستغل أوقات الإجابة ومنها الثلث الأخير من الليل، وأكثر من دعاء ذي النون؛ فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون، إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين؛ فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له).
سلط على أمك المقربين من قلبها، ممن تستمع لنصحهن؛ لنصحها وتوجيهها وتقوية إيمانها؛ فمن الناس من جعلهم الله مفاتيح للخير مغاليق للشر.
استغل علاقتك مع أخيك، وتعاونا في إصلاح أمر أسرتكم بطريقة حكيمة، واعملا بكل الوسائل المتاحة، خاصة إن كان أخوك مقربًا من أمك.
من الخطأ أن تخفف من تدينك من أجل إرضاء والدتك، بل قو من تدينك لترضي ربك؛ فمن أرضى الناس بما يسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضى الله رضي الله عنه وأرضى عنه الناس.
لا تيأس من إصلاح أسرتك؛ فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وهو سبحانه قادر على إصلاحها في غمضة عين.
إنني أحس بما تعانيه من الهموم والأحزان، ولكي تزول الزم الاستغفار، وأكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عليه الصلاة والسلام: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا) وقال لمن قال له أجعل لك صلاتي كلها: (إذًا تكفى همك ويغفر ذنبك).
نسعد بتواصلك، ونسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلوبكم ويصلح شأنكم، إنه سميع مجيب.


اضافة تعليق