سؤالي: أنه تقدم لي ابن عمي، وهو -كما يقال- صاحب خلق ودين، لأَنِّي لم أره منذ تقريبًا عشر سنوات أو أكثر، يعيش في بلد آخر غير البلد الذي أعيش فيه، والمشكلة أنه، أولًا: لا يوجد عنده عمل، وليس له دخل معين يصرف به على نفسه، فهو يأخذ من والده، والمشكلة الأخرى: أنه يعيش في بلد ليس فيها أمان، فيها حروب ومشاكل، وأنا -ولله الحمد- أعيش في بلد آمن، لم أسمع في حياتي أصوات الصواريخ والانفجارات، وأنا لا أدري هل أوافق عليه من أجل خلقه ودينه الذي لا أعرفه، وأترك التفكير بالسلبيات الأخرى، وهي: الحرب، وليس عنده عمل.
من وجهة نظر والدي أنه عليَّ أن أوافق عليه، لأن الفتاة يجب أن تتزوج وتوافق على صاحب الخلق والدين مهما كان وضعه، أو البيئة التي يعيش فيها، ولكنه لا يجبرني على شيء، يقول لي: أنه على حسب رغبتي، ولكن يفضّل أن أوافق.
أما والدتي فتقول: إن الولد لا يملك شيئًا، ويعيش في بلد ليس فيها أمان، وتقول: إذا أنا أستطيع تحمّل الأوضاع في ذلك البلد، أوافق وإلا عليّ الرفض، خصوصا وأنه قد خطبني منذ سنتين، فأرجو منكم أن توضحوا لي، وتستشيروا علَّي بماذا أفعل في هذا الأمر؟ هل أوافق مع أني لا أحبّ العيش في بلد المشاكل والحروب، ولكن من أجل الخلق والدين؟
أريد أن أعرف هل الخلق والدين هما اللذان يُنظرُ إليها في الرجل، مع تجاهل الأمور الأخرى؟ وشكرًا لكم على جهودكم الرائعة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:
فإنّ من أهمّ الصفات التي يجب أن تتوفر في شريك الحياة: الدين والخلق، ولكن هناك صفات أخرى ينبغي أن تتوفر فيه كي تكون الحياة مستقرة، وتحصل المودة والرحمة بين الزوجين، ومن كلا الطرفين، لأن من أهمّ مقاصد الزواج: السكن النفسي، وتحقق المحبة والرحمة كما قال تعالى: [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] فلو أن شخصًا ما كان على دين وخلق، ولكنه مثقل بالأمراض التي تجعل الحياة الزوجة في ضنك، أو كان فيه ذمامة في صورته، لدرجة لا يتحقق للمرأة الحبّ والسكينة والاستقرار لزوجها، فكيف توافق على ذلك.
لا بدَّ أن يتوفر للزوجة المكان الآمن الذي يحصل لها فيه الاستقرار النفسي، ولذلك كان من حقها أن تشترط عدم السكنى في القرى مثلاً، لأنه لا يتحقق لها الاستقرار، فإذا كان بلده الذي ستنتقلين إليه ما زالت الحرب فيه قائمة، فلن تتحقق لك مقاصد الزواج، وربما أدى ذلك إلى الطلاق المبكر.
لا بدّ أن يكون الزوج قادرًا على تحمّل أعباء الزواج، ومنها فتح بيت مستقل، والنفقة المطلوبة منه، والاستقلال عن والده، إلا إن كان والده غنيًا، ومعروفًا لديكم، وأمينًا موثوقًا، ومتكفلاً بكل النفقات ما دام ابنه لا يعمل، حتى لا يمشي معكم أشهرًا ثم يتخلى، وتصبحين أنت الضحية! ولهذا كان توجيه النبي -صلى الله عليه وسلم- للشباب أن من يستطيع الباءة (النكاح ومتطلباته) فليتزوج، فقال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).
أنتِ لا زلت صغيرة وفي عمر الزهور، فإن كان ما سبق لن يتحقق لك، وهذا ما لمسته من مخاوفك، فلم العجلة، وعليك أن تفكري بالزواج بعقل واتركي العاطفة جانبًا، فالتأني من الله والعجلة من الشيطان.
الزواج لا يأتي بشدة الحرص، ولا يفوت بالترك، ونصيبك سيأتيك في الوقت وبالشخص الذي قدّره الله لك من قبل أن يخلقك.
العمل بالأسباب، والتحسب للمخاطر، ومحاولة اجتنابها قبل أن تقع أمر مشروع، والنظر للأمور بسطحية نوع من السذاجة.
فترة الخطوبة لا تعني لزوم الاستمرار في الموافقة، وإنما هي وعد بالزواج، صحيح أنه يجب الوفاء بالوعد، وإلا كان الناكث مذمومًا، لأن ذلك من صفات المنافقين، ولكن إن بدى وطرأ أي أمر لأي طرف، يبيح له شرعًا وعقلًا أن يحجم عن الاستمرار جاز له أن يتراجع.
أنصحك بأن تصلي صلاة الاستخارة، وتدعي بالدعاء المأثور، وتنظري ماذا سينقدح في قلبك، فاختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه.
أسأل الله تعالى أن يختار لك ما فيه الخير، والله الموفق.


اضافة تعليق