أتمنى أن تدلوني كيف أتعلق بالله وحده فلا أرجو غيره؟ وكيف يكون قلبي خالياً من الحب إلا لله؟ فأنا لدي تعلق شديد بأطفالي وزوجي، وقد يكون تعلقاً يصل لدرجة لا يستحقها البشر، بل لابد أن يصرف هذا الحب لله وحده.
أنا أقوم الليل، وأستغفر أكثر من ألف مرة باليوم، وأدعو الله كثيراً بأن يقبلني ويجعل محبته تتملك قلبي، لكني لا أشعر بأن أشياء تتغير، بل أزداد تعلقاً بالبشر حتى أعذب بهم أيضاً؛ لأني علقت قلبي بغير الله.
ماذا أفعل؟ فالهداية بيد الله وحده، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. حتى أصبحت أظن أن الله لا يقبلني، ولا أعلم لماذا!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. شكراً على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:
فلا يمكن أن يخلو قلب الإنسان من الحب الطبيعي كحب الوالدين والزوج والأولاد وغير ذلك؛ فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام لما سئل: من أحب نسائك إليك؟ فقال: (عائشة) قيل: فمن الرجال. قال: (أبوها) وكان عليه الصلاة والسلام يحب أسامة ابن زيد وأباه حتى كان يقال في أسامة: (حب رسول الله عليه الصلاة والسلام وابن حبه) والمواقف في هذا الأمر كثيرة.
لا تبحثي عن المحال كما قلت في استشارتك (وكيف يكون قلبي خالياً من الحب إلا لله؟) وأخشى إن بقيت على إجهاد نفسك بهذا الأمر أن تنقلب حالتك إلى ما يشبه الوسواس القهري، فدعي الأمر على طبيعته، غير أني أرسم لك موجهات تعينك على تقوية حب الله تعالى في قلبك:
– تعرفي على قدرة الله عز وجل في هذا الكون وعلى عظمة مخلوقاته؛ فهنالك من الشواهد العظيمة التي تدل على أنه لا يستطيع أحد غير الله أن يخلق هذا الكون؛ فالتعرف على ذلك يورث حب الله تعالى ويعزز تعلق القلب به؛ ولذلك فقد شهد كثير من علماء الغرب الذين يرقبون سير الأقمار والمجرات والنجوم والأرض والسماوات أن وراء هذا الكون إله عظيم هو الذي خلقها ويسيرها، وهنالك من أسلم منهم.
– حافظي على ما افترض الله عليك، وأكثري من الأعمال الصالحة؛ يتقوى إيمانك ومراقبتك لله تعالى، وتحيين حياة طيبة، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
– تعرفي على الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وانظري ما يقوله العلم الحديث؛ فذلك يزيد في إيمان المؤمن ويقوي علاقته بربه.
– أقرب ما يكون العبد من ربه وسهو ساجد؛ فحافظي على أداء الصلاة المفروضة في أوقاتها، وأكثري من نوافلها، وأطيلي مناجاة الله أثناء السجود، وخاصة في الخلوات وفي الثلث الأخير من الليل؛ فذلك يورث قرب قلبك من الله، ويعزز من تعلقه به.
– اجعلي لسانك رطباً بذكر الله تعالى؛ فمن أحب شيئاً لهج بذكره، وكثرة الذكر تورث حب الله والتعلق به.
– أكثري من تلاوة القرآن الكريم، وتعرفي على معانيه وتفسيره من الكتب الموثوقة، كتفسير ابن كثير، وتفسير السعدي؛ فذلك مما يقوي في نفس المؤمن حب الله تعالى.
– التعرف على أسماء الله تعالى وصفاته، ومعرفة آثارها المسلكية في حياة الإنسان، وتدبر ذلك، كاسم الخالق، والرزاق، والرحيم، والرؤف، والمحيي، والمميت، والحافظ، والسميع، والبصير، وصفة المعية، وغير ذلك؛ فذلك كفيل في جعل قلب المؤمن متعلقاً بالله تعالى مجتهداً في نيل مرضاته وغفرانه، واقرئي ما كتبه العلماء حول ذلك، كما في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وكتب الشيخ ابن عثيمين -رحمة الله تعالى على الجميع-.
– التوازن في الحياة هو المطلوب؛ وذلك أن الإنسان مخلوق من الطين، وفيه روح من عند الله تعالى، وكل شيء يحتاج إلى ما يغذيه، فالروح تحتاج إلى الإيمان، والبدن يحتاج إلى ما يصلحه، فتغليب جانب على الآخر خروج عن الطبيعة السوية؛ ولذلك انحرف الصوفية عن المنهاج الحق؛ لأنهم غلبوا جانب الروح، والماديون ضلوا؛ لأنهم غلبوا جانب الجسد، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (إن لربك عليك حقاً، ولزورك “ضيفك” عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه).
أسأل الله تعالى أن يقوي إيماننا، ويعرفنا بجلاله وعظمته، ويرزقنا التوسط والاعتدال، والله الموفق.


اضافة تعليق