السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
سأذكر لكم مشكلتي بشكل مختصر؛ لعلّ وعسى تساعدوني فيها:
مشكلتي في عائلتي؛ عائلتي متفككة بعض الشيء، ومتباعدين، وأمي وأبي كل يوم تقريبًا في مشاكل، وأصوات عالية، وهذا الشيء سبّب لي حزنًا شديدًا، ونفسيتي تعبت بسببه بشكل لا يعلم فيه إلا ربي.
معاملة أمي وأبي لإخواني بحكم أني البنت الوسطى بالعائلة -تستطيعون تسميتها- في الهامش!.
أمَّا أختي الكبيرة تتلقى معاملة تختلف بشكل كبير عنّي، وأخي بحكم أنّه الولد الوحيد فهو الولد المدلع وطلباته أوامر، وكل شيء، ولا أحد يزعله مع أنّه أكبر منّي، وباقي أخواتي: واحدة تزوجت، وهي الوحيدة القريبة لي وأخواتي الصغار؛ لأنهم آخر العائلة، فـهما المدللين بيننا.
طفولتي جدًا سيئة من كل النواحي، وهذا الشيء متعبني كثيرًا حاليًا، وعندي غيرة شديدة من إخواني تصل لمشاعر الكره لبعض الأحيان!.
حياتي كلها من البيت للمدرسة على هذا الحال، ولا أطلع لمكان بسبب عائلتي، وباختصار: قاعدة في سجن، وكنت اجتماعية جدًا، وكان معارفي وأصدقائي كُثر، وحينما كبرت قليلاً أصبحت منعزلة، وصار لي عالم خيالي خاص فيّ، وصديقاتي صرن على الأصابع، وصرت هادئة أغلب الوقت، وصرت خجولة وأتوتر إذا تكلمت بين مجموعة من النَّاس.
تحولت من شيء لشيء بسبب مشاكلي، ولا أعرف ماذا أفعل! ولا من أكلّم لأنّي لا أثق بـعائلتي ولا في أي أحد!.
أختي بعدما عُقد قِرانها تعبت نفسيًا، وطول الوقت حزينة لدرجة أنّي كرهت نفسي، وصرت أجرح نفسي بأدوات حادة، وما صرت أحسّ بطعمٍ لأي شيء أفعله، ولا أحسّ أنّ لي قيمة، وكل وقتي أفكر ومهمومة، ولا أقدر أن أركّز جيدًا لدرجة أنَّ شعري صار فيه شيب، ووزني نزل كثيرًا.
تعبت كثيرًا، ووالله لا أقدر أن أكلّم أحدًا، وكلما تضايقت أو حصل لي موقف سيء أجرح نفسي، ولا أرتاح إذا ما فعلت ذلك، وكثيرًا أفكّر أن أنتحر لكن أخاف من ربي وعذابه.
متضايقة كثيرًا، ومحتارة، ولا أدري ماذا أفعل؟! وأريد حلاً لو بسيطًا، أسعدكم الله، وشكرًا لكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وشكرًا على تكرّمكم بطلب الاستشارة من موقعكم “مستشارك الخاص” وثقتكم بنا، آملين في تواصلكم الدائم مع الموقع، وبعد:
كثير من الأسر تعيش بتفكك ويختلف من أسرة لأخرى؛ والسبب في ذلك الإغراق في الدنيا، والانكفاء على الذات، والابتعاد عن تعاليم الشرع الذي يأمر بالصلة، وضعف الإيمان والتأثر بالحضارة الغربية، والغفلة، وغير ذلك من الأسباب.
تلك الأسر وأسرتك منها، وفيها خير كثير لكنّه يحتاج إلى من ينعشه ويوقضه، فنصيحتي لك: أن تبدئي بتذكير من هو أقرب إليك بأهمية الصلة والترابط الأسري، ومن ثم تنطلقون للأقرب فالأقرب، وبهذه الطريقة تستطيعون لملمة الأسرة، والعمل على ترابطها، والأمر يحتاج إلى صبر وروية؛ فلا تتعجلوا ولا تملوا أو تضجروا، يقول النَّبي صلى الله عليه وسلم: ((التأني من الله، والعجلة من الشيطان)).
اجتهدي في معرفة الأسباب التي أدت إلى المشاكل اليومية بين والديك؛ فما من أمر إلا وله أسبابه، فلعل أمك مقصرة في حقّ والدك، أو أنَّ أباك مقصّر في واجباته؛ فإن عرُف السبب بطل العجب، وأمكن -بإذن الله- إصلاح العطب، والأمر يحتاج منك ألا تنكفئي على نفسك، بل لا بدّ من التعاون أنت وأختك ومن يؤرقهم هذا الموضوع، ومن ثم بعد معرفة الأسباب تتجهون للمتسبب فتنصحونه برفق ولين وحكمة وفي الوقت المناسب بعد التمهيد وانتقاء العبارات المؤثرة؛ فالنفس لها حظوظ.
كثرة المشاكل بين الأبوين تضعف صلتهم بأبنائهم؛ لأنَّ كل واحد مهموم بنفسه، ولعلك تلحظين أنَّ كل شخص منكفئ على نفسه يسليها بالهاتف أو التلفاز أو القراءة في الجرائد والمجلات، فإذا حصل الائتلاف بينهما سيتجهان لأبنائهما ولا شك.
ميلهما لبعض الأبناء وضعف علاقتهما سببه تعامل ذلك الولد معهما؛ فكلما كان الولد فطنًا محسنًا للتخاطب معهما عارفًا بنفسيتهما ملبيًا لطلباتهما مشبعًا لميولاتهما وعواطفهما كانا منه أقرب، فتعرفي على الأساليب التي سلكها أخوك فاتبعيها تنالي حب والديك وعطفهما.
لقد أثرت فيك حالة أسرتك فانكفأتِ على نفسك، وأُصبت بالهموم والحالة النفسية؛ فالمخرج من ذلك أن تقتربي من والديك أكثر، وأن تخرجي من الحالة التي تعيشينها، وتغيري أسلوب تعاملك مع والديك، فقومي بخدمتهما حق القيام، وساعدي والدتك في مهام المنزل، وأحسني من استقبال والدك وتوديعه، وقومي بخدمته وتلمسي ماذا يريد، وتملقي لهما بالكلام الحسن، فذلك من أفضل ما يتقرب به العبد لربه وينال به رضى والديه.
لقوة الإيمان دور بارز في الترابط الأسري؛ فعليكم الاجتهاد في إرشاد الأسرة إلى ضرورة تقوية إيمانها من خلال المحافظة على أداء الفرائض، والإكثار من النوافل وخاصة نوافل الصلاة كالضحى، والوتر، ورواتب الصلوات، وصيام ما تيسر من الأيام كالاثنين والخميس، وأيام البيض الثلاثة، وتلاوة القرآن الكريم واستماعه، وغير ذلك من الأعمال التي تقوي الإيمان.
قولك: (طفولتي جدًا سيئة من كل النواحي، وهذا الشيء متعبني كثيرًا حاليًا)؛ أرى أنَّه مبالغًا فيه، فيا ابنتي الكريمة تخيلي كم عانت أمك في حملك، وكيف تألمت أثناء وضعك، وما عانته حين كنت صغيرة في حضنها، وكيف كانت تحن عليك وكيف عانت في تربيتك وحضانتك، وكيف تعب والدك وهو يجتهد في توفير سبل راحتك، وكيف كانت أمك لا تنام حتى تنامي، وكيف كان والدك يقلق إذا مرضتِ، أنسيت كل هذا! ثم إنَّ كل شخص قد يعاني في مرحلة من مراحل عمره، فمن هذا الذي كانت حياته كلها أفراح! فلا تعط لعقلك رسائل سلبية فيتبرمج على ذلك.
لك الحقّ في أن تغاري نتيجة ميل والديك أو أحدهما لمحبة شخص من أفراد أسرتك، ونحن لا نقر من يفعل ذلك؛ فالأصل العدل بين الأبناء، لكن إياك أن يصل الأمر إلى درجة البغض لذلك الشخص، فذلك مدخل من مداخل الشيطان للتفريق بين أفراد الأسرة، فالاجتهاد في المعالجة خير من التسبب في زيادة المرض أو معالجته بمرض أكبر منه.
عيشي حياتك بشكل اعتيادي، وتواصلي مع زميلاتك وتبادلي معهن الزيارات، وتناسي الموضوع؛ فالانطواء والعيش في عالم افتراضي لن يحل مشكلتك أبدًا، وتعرفي على الأخطاء التي وقعت فيها، واجتهدي في تلافيها، وستعود المياه إلى مجاريها ولن يبقى -بإذن الله- حال أسرتك كما هو إن عملت بما وجهتك به.
للخروج من الهموم التي تعانينها الزمي الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهما من أسباب تفريج الهموم وكشف الكروب، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا))، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ (إذن تكف همّك، ويغفر ذنبك).
جرح نفسك بالأدوات الحادة في غاية الخطورة؛ فلربما أخذ الشيطان بيدك فوقعت تلك الأداة في مكان حساس وأدى إلى النزف الحاد، ومن ثم الموت -لا قدر الله-.
الانتحار محرم في الشرع وعاقبته نار جهنم وبئس القرار، فلا تجعلي للشيطان سبيلاً عليك، واستعيذي بالله من وساوسه وخواطره.
تضرعي بالدعاء بين يدي الله تعالى وأنت ساجدة، واستغلي أوقات الإجابة، وسلي الله من فضله وأن يؤلف بين قلوب أسرتك ويلهمهم رشدهم؛ فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وعليك بدعاء ذي النون، فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعوة ذي النون، إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين؛ فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له)).
اجتهدي في تقوية إيمانك، وأكثري من الأعمال الصالحة توهب لك الحياة الطيبة، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
املئي فراغك بالطاعات وتلاوة القرآن الكريم وسماع المحاضرات النافعة؛ فذلك خير من الانعزال والإصغاء إلى وساوس الشيطان والنفس الأمارة بالسوء.
أسأل الله تعالى أن يسعدك، ويلمّ شعث أسرتك ويوفقك في أن تكوني سببًا في ترابط أسرتك، وأن يجعل لك من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا إنَّه سميع مجيب.


اضافة تعليق