عليكم أن تجتهدوا وأن تجعلوا ما تأخذون من العلوم زاد لكم في هذه الاختبارات وأن تأخذوا العبر والدلائل من هذه الاختبارات فتعدوا العدة للاختبار الأعظم بين يدي الله عز وجل.
المسلم بين اختبارين
أما بعد:-
ففي هذه الأيام أبناؤنا الطلاب مستنفرين لهممهم مستعدين للاختبارات إنها حصاد عام كامل ربما من الجهد والبذل والتضحية والسهر وإنهم غارقون بين كتبهم وبين مئات الصفحات مما هو مقرر عليهم و واجب عليهم دراسته ولا شك أن البيوت كلها في حالة استنفار وكلها في حال متابعة واهتمام .
هذا الجهد الذي سيظهر على الطالب وسيظهر كذلك على أسرته فإما أن يرفع هذا الطالب رأسه وبالتالي يرفع الأبوان رأسهما اعتزازا بهذا الجهد الذي يبذله هذا الطالب وبهذا الجهد أيضا الذي بذله الأبوان وإما أن تنكس الرؤوس عياذا بالله تعالى .
وإن الاختبارات الدنيوية في جميع مراحل الدراسة مدرسة حقيقية لنا جميعا تتكلم معنا بلسان صامت وأنه لسان فصيح بليغ أبلغ من اللسان الناطق ولنا أن نأخذ من هذه الاختبارات الدروس والدلائل والعبر فإن هذه الحياة مدرسة اختبار وابتلاء (( ليبلوكم أيكم أحسن عملا )).
إننا نمر في مدرسة وفي اختبار دائم منذ البلوغ إلى أن يتوفانا الله عز وجل فإن لنا أن نأخذ من هذه الاختبارات دروس عبر من أهمها:
أولاً: في أيام الاختبارات ما الذي يتغير ؟هل يغير الإنسان ؟أم أنه ذلك الإنسان؟
لكن ثمة أشياء حدثت لهذا الإنسان! الإنسان هو ذاك لم يتغير ولكنه استنفر واستنهض قوته وعزمه فتجده ربما قبل فترة الاختبارات إذا كلفه أبوه بأي عمل كأن يقرأ كتابا أو يلخصه أو أن يحفظ سورة من القرآن أو أن ينجز عملا ما لربما تلكأ و لربما اعتذر أن هذا العمل فوق طاقته ولا يستطيع القيام به ولا يقدر أن ينجزه لكنك إذا نظرت إلى حاله في أيام الاختبارات تجده يقرأ في اليوم مئات الصفحات ويحفظ مئات من المعلومات ويسهر الليل الطويل ويحبس نفسه في البيت ولا يخرج.
فما الذي تغير في هذا الإنسان رغم تلكئه ورغم كثرة اعتذاراته ؟إنه لم يتغير في الإنسان شيء هو ذاك الإنسان ولكنه في هذه الأيام استنهض قواه واستنفر همته من أجل تحصيله العلم ومن أجل أن يبذل شيئا من الجهد لحشو هذه المعلومات ولدخول الاختبارات وقد تسلح بالسلاح اللازم لهذه الاختبارات ومن هنا نأخذ أن هذا الإنسان إذا استنهض عزيمته وإذا استجمع قواه يستطيع بإذن الله تعالى أن يحقق أشياء في حياته ولقد رأينا ولا زلنا نرى أناسا تفوقوا في أعمالهم ونجحوا في مجال العبادة ونجحوا في كثير من الأعمال السبب في هذا أنهم استغلوا الوقت ورتبوا أوراقهم وبذلوا جهودهم واستنهضوا همهم فتحققت على أيديهم منجزات كثيرة ورأينا ولمسنا بصماتهم في الحياة ذلك لأنهم استغلوا هذا الجهد وإن الدراسات الحديثة كشفت أن هذا الإنسان لا يستغل أكثر من 30% من قدراته وأن ثلت عمره يقضى في النوم فكيف لو أنه استنهض قواه واستغل 50% من مواهبه وقواه الجسدية والعقلية إنه سوف يثمر أكثر من ذلك ولا شك و لا ريب.
ثانيا : الاختبارات تنبئ عن ثقل العلم فالعلم لا شك أنه ثقيل وأنه يحتاج إلى جهد ويحتاج إلى مداومة تحصيل وإلى مداومة مذكراته تماما مثل البناء فلا يمكن للإنسان أن يبني جدارا بارتفاع ثلاثة أمتار في يوم واحد أو بطول خمسة أمتار أو أكثر من ذلك لاشك وإن كان البناء ماهرا فإنه سيسقط لكنه إذا بناه على مدى معين وتركه يتقوى وسقاه و عاوده فإنه يستطيع بعد ذلك أن يرفع هذا الجدار أمتار بالمدى الذي يريده لكنه وفق ضوابط معينه هكذا العلم لا يؤخذ دفعة واحدة ولكن اليوم شيء وغدا شيء مثله تماما مثل السيل إنما هو استجماع لقطرات نازلات من السماء تتجمع فتصير فيضانا هائجا يدمر ما يعترضه أمامه فالعلم إذا أخذ دفعة واحدة فإنه يذهب جملة واحدة فالعلم لا يأخذ من أجل أن يرمى في أوراق الاختبارات إن هذا ينبئ حقيقة عن تثبيط الهمم وأن كثيرا من الناس لا يطلبون العلم للعلم وإنما يطلبونه من أجل إفراغه في أوراق الاختبارات فحسب ولذلك فإنه وإن تلقى الإنسان معلومات في هذه الأيام جملة واحدة فإنه بعد الاختبارات يذهب جملة واحدة بخلاف ذلك الذي طلب العلم للعلم فإن هذا العلم يبقى معه فترة طويلة وإذا تعاهده يبقى معه عمره كله بإذن الله تعالى (( إذاً العلم يحتاج إلى صبر ويحتاج مثابرة يحتاج مذاكرة يحتاج إلى أن تتقوى هذه المعلومات ولهذا ذكروا أن ابن الجوزي رحمه الله تعالى (( كان قد أخذ دفترا فيه معلومات ذهب ليحفظها في مكان بعيد عن الضوضاء وبعيد عن المشاغل فصادف أن امرأة بجواره كانت في الحقل تعمل فكان يردد المعلومات ويردد فقالت هذه المرأة : يا هذا لقد حفظت ما تقول فقال : رديه على فردت تلك المعلومات حافظة لها دون أن تنسى شيئا ثم انصرف وذهب إلى مكان يردد هذه المعلومات ثم بعد يومين عاد إلى نفس المكان فوجد المرآة فقال لها: ردي على ما كنت قد حفظتيه فقالت: لا احفظ حرفا واحدا مما كنت قد حفظته قال ولهذا كنت أردد تلك المعلومات حتى لا تتفلت علي وصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام حين قال: إن القرآن أشد تفلتا من الإبل في عقلها )) يعني أن القرآن يحتاج إلى تعهد والعلم كذلك يحتاج إلى تعهد ولذلك العلم لا ينال براحة الجسم ولا يمكن للإنسان أن يجمع بين العلم وبين الراحة قال يحي ابن كثير هذه المقالة فيما مضى لا يستطاع العلم براحة الجسم فإن العلم ملازم للمشقة وملازم للتعب هكذا أعمال الآخرة كذلك يحتاج منا إلى جهد ويحتاج منا إلى عناء ويحتاج منا إلى متابعة فإن هذه الاختبارات اختبارات آنية تظهر نجاح الطالب وفشله فإذا كان متعهدا لهذه الأعمال مداوما عليها وفق المنهج الذي رسمه الله تعالى فإن هذا الإنسان ينجح في الاختبارات وهو في اختبار دائم في هذه الحياة والاختبار الأشد يوم يقوم الناس لرب العالمين فإذا كان الطالب لا يذاكر ما هو مقرر عليه و يذاكر شيئا محذوفا عليه فإنه إذا جاءت الاختبارات لاشك أنه سيرسب فإذا كان هذا الإنسان يعمل أعمالا غير مقررة عليه يلهو ويلعب لا يأت بالأعمال التي كلفه الله بها في هذه الحياة من صلاة وذكر وقراءة للقرآن وصوم وما شاكل ذلك من الأعمال الصالحة ماذا سيكون جوابه بين يدي الله عز وجل لاشك إنه لا يستطيع الإجابة لأنه كان يعمل أعمالاً غير مطلوبة منه تماما كذلك الطالب الذي حفظ وذاكر واستمر جهده لكنه في مجال غير مقرر عليه في دروس محذوفة عليه فإذا جاء إلى قاعة الاختبارات لا يستطيع أن يكتب شيئا لا على أن يجيب على تلك الأسئلة إن الاختبارات تكشف عن مثل هذه المعاني لذلك كان القدماء يبلون بلاء حسنا ولذلك رأينا ثمراتهم ورأينا جهودهم واضحة في هذه الحياة قال قائلهم وهو يبث جدارته ويثبت أنه كان مجتهدا وأنه اتعب نفسه ليس كغيره من الناس ولهذا لن يستطيع أحد منهم أن يجاري أو يباري أو يصل إلى ما وصل إليه يقول ذلك العالم :
سهـــــــري لتنقيـح العلوم ألذ لي من وصل غانية و طيب عنــــــاقِ
و صرير أقلامي على صفحاتهـا أحلـى من الـدوكاء للعشـــــــــــــاقِ
و ألـذ من نقـــر الفتاة لدفهـــــــــا نقري لألقي الرمـل عن أوراقـــــي
و تمايلي طربــــا لحــل عـويصة في الدرس أشهى من مدامة ســـــاقِ
يامن يحــــاول بالأمــــاني رتبتـي كـــم بين مستفل وآخـــر راقـــــــــي
أأبيت سهــران الدجى و تبيتــــــه نومـا و تبــــغي بـعد ذاك لحــــاقــي
فرق بين إنسان يسهر الليل لتحصيل العلوم وآخر نائم لا يستويان أبدا ولأن كان هذا في شأن العلم فلهو في كل شأن من شئون الحياة مثل هذا بل ربما كان أشق من هذا ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام (( من خاف أدلج و من أدلج بلغ المنزل ))
من خاف أدلج يعني مشى في الدلجة وهي الظلمة والمعنى من هذا أنه من خاف من الآخرة ومن خاف المسؤلية بين يدي الله فإن عليه بقيام الليل حتى ينجح ويفوز في الاختبارات بين يدي الله عز وجل .
وأسأل الله العظيم أن يوفقنا إلى كل خير وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد:-
إخوة الإسلام :
إن من العبر التي نأخذها من مدرسة الاختبارات والامتحانات هذا الاهتمام الحاصل من أبنائنا الطلاب وهذا الاهتمام الحاصل أيضا من الآباء والأمهات والإخوة الكبار والأخوات وهذا شيء طيب يفرح به كلنا هذا الاهتمام ألا يقابله كسل وتوان عن الاختبار الأعظم بين يدي الله عز وجل ألا تستحق صلاة الفجر مثل هذا الاهتمام وأكثر ألا تستحق الطاعات والقربات إلى مثل هذا الاهتمام أو أكثر ألا يستحق الأخلاق الفاضلة والمتابعة للأبناء مثل هذا الاهتمام أو أكثر بلى بلى ؟.
إن هذه المعالي تستحق الاهتمام أكثر لماذا نهتم بتقدم الأبناء والاهتمام في أمر الدنيا ولأنهم لهم ومعهم بالاختبار الأعظم وبأمور الآخرة أن ذلك الاهتمام أعظم وإنه أكبر من هذا الاهتمام ماذا يعني أن ابنا أو بناتا نجح في الاختبارات الدنيوية ولكن يسقط في الآخرة فيكون عار وشنارا على نفسه وعلى أسرته وعلى ماذا يفيده أن ينجح في الاختبارات الدنيوية لكنه يكون من حصب جهنم يوم القيامة.
أيها الأخوة :
أن الاهتمام في أمور الآخرة يجب أن يكون أعظم وإذا كان الاهتمام بأمور الآخرة وارد وحاصل فسيكون لاشك أن الاهتمام في أمور الدنيا مواكبا لهذا وإننا نرى أن أولئك الذين لهم اهتمام في أمور الآخرة اهتمام في الصلاة واهتمام في قراءة القرآن وعندهم من الأخلاق الفاضلة أنهم في مقدمة الركب في الاختبارات وأنهم من الأوائل الذين يحصلون على الدرجات العالية في اختباراتهم الدنيوية ذلك لأن الله تعالى يعطي وييسر لهم الأمور ومما يستفاد من هذه الاختبارات والامتحانات لجوء كثير من الأبناء والبنات في هذه الأيام إلى الله نشاهدهم وهم يزاحمون على الصفوف الأول في المساجد وهذا أمر طيب لكننا يجب أن نعلمهم قول النبي عليه الصلاة والسلام [ تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة ]
فأنت اليوم في وقت شدة ليس غريبا أن تلجأ إلى الله فهذه حياة المؤمن دائما يلتجئ إلى الله في الشدة والرخاء فإن الله سبحانه يتعرف عليه وقت شدته والتعرف على الله يعني الامتثال لأمره والامتثال لأمر رسوله عليه الصلاة والسلام في قضايا العقيدة والعبادة والأخلاق والقضايا المهمة.
فإذا تعرفت على الله عز وجل في رخائك فإن الله تعالى يتعرف إليك في الشدة ويكون معك في كل حال .
ولنعلم أن هذه الحياة متاع وأنها زائلة وأن الحياة الحقيقية هي الحياة الأخروية وهي التي يجب أن نعمل لها كما أنه سيسأل الطالب في اختباره ذلك الاختبار السري الذي لا يعرفه الطالب ما وضع له معلمه وسيفرغ جهده وما تحصل عليه من المعلومات في تلك الأوراق لكنه يجب أن نعلم أن الاختبارات الأخروية مكشوفة للجميع كشفها لنا معلم البشرية الخير صلى الله عليه وسلم (( لن تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن شبابه فيما أبلاه وعن علمه ماذا عمل به ))
مثل هذه المعاني التي كشفها لنا النبي عليه الصلاة والسلام سنسأل عنها لكن وإن كانت الأسئلة مكشوفة فإن التوفيق بيد الله عز و جل من كان عاملا في هذه الحياة وفق منهج الله هو القادر على أن يجيب على هذه الأسئلة التي سيسأل عنها كل إنسان كل إنسان سيسأل في قبره من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك؟
أيها المسلمون :-
ذكورا وإناثا إن فينا وحولنا أناس قد تجاوزوا الأربعين ولا يزالون في لهو ولا يزالون في لعب متى سيرجع هؤلاء الناس إلى الله تعالى إنه إن كان ثمة رجوع ففي مثل هذه الأيام لنرجع إلى الله عز وجل فلا يزال في العمر فسحة فإذا بلغت الروح الحلقوم فأنى للإنسان أن تقبل منه توبته أو رجوعه ولذلك قال: صلى الله عليه وسلم ((إن باب التوبة مفتوح للمسلم ما لم يغرغر )) ما لم تبلغ روحه الحلقوم وما لم تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت الشمس من مغربها فبذلك لا
ينفع نفس أيمانها لم تكن أمنت من قبل أو كسبت في أيمانها خيرا.
إذاً لابد أن نأخذ من هذه الأيام دلائل ومواعظ وعبر نرجع فيها إلى الله عز وجل لنعمل فيها وفق مرا الله سبحانه وتعالى ولنحاسب أنفسنا في هذه الدنيا قبل أن تحاسب يوم القيامة فإن من حاسب نفسه في الدنيا عاتبها وألزمها العمل وفق كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام فإنه لا شك أنه من الناجحين والمفلحين وأنه من الفائزين في يوم لا ينفع فيه ما ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .
أيها الطلاب :
عليكم أن تجتهدوا وأن تجعلوا ما تأخذون من العلوم زاد لكم في هذه الاختبارات وأن تأخذوا العبر والدلائل من هذه الاختبارات فتعدوا العدة للاختبار الأعظم بين يدي الله عز وجل يوم يكلمك الله ليس بينك وبينه ترجمان سيسألك الله مثل هذه الأسئلة وسيسألك أيضا فرطت في هذه الحياة فإنك أن حاولت الكذب أو اللف والدوران إن الله يختم على فمك وتنطق أعضاؤك ويشهد جلدك وتشهد يدك ورجلك بما عملت في الدنيا .
فنسأل الله سبحانه وتعالى : أن يحيينا وإياكم على الفطرة في الدنيا والآخرة
الحمد لله رب العالمين.



اضافة تعليق