تابعنا على

إنتاجات الشيخ خطب مفرغة

التشاؤم بشهر صفر

فإن الله تعالى ما أرسل الرسل وما أنزل الكتب وما خلق الجنة والنار إلا من أجل توحيد الله عز وجل من أجل تحقيق توحيد الله عز وجل…

 خطبة بعنوان : (التشاؤم بشهر صفر)

العناصر :

الحكمة من أيجاد الخلق 2- أهمية توحيد الله عز وجل 3- تشاؤم أهل الجاهلية بهذا الشهر 4- نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التشاؤم 5- خطر الشرك بالله عز وجل.

أما بعد:

فإن الله تعالى ما أرسل الرسل وما أنزل الكتب وما خلق الجنة والنار إلا من أجل توحيد الله عز وجل من أجل تحقيق توحيد الله عز وجل فمن أطاع الله تعالى ووحده كان عابدا له على الحقيقة وكان مطيعا لرسل الله عليهم الصلاة والسلام وكان من أهل الجنة بإذن الله عز وجل .

ومن أشرك بالله عز وجل فإن قد عصى الله عز وجل بأعظم معصية يعصى بها الله بالتالي فهو غير طائع وغير ممتثل لرسل الله تعالى أجمعين وهو مستحق لعقوبة الله تعالى بل هو من أهل النار لأن الله تعالى حرم الجنة على المشركين وجعل النار هي دار المشركين والكافرين بالله عز وجل يقول الله تعالى ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) )) سورة الذاريات الآيات (56-58).

 أي ما خلق الله عز وجل الأنس والجن إلا لعبادته والمقصود هنا بعبادة الله تعالى هو توحيد الله بحيث لا يشرك به سبحانه فمن أشرك بالله تعالى فهو غير عابد لله ولو كان في الظاهر من الذين يصلون أو يصومون أو يزكون أو يفعلون شيئا من الطاعات فهذا في الحقيقة أعماله كلها تذهب هدرا قال سبحانه وتعالى : ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً )) سورة الفرقان آية (23).

وقال تعالى : ((إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)) سورة المائدة آية (72) .

قال تعالى : ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ )) سورة الذاريات آية(56).

قال ابن عباس رضي الله عنهما وهو ترجمان القرآن وهو الذي دعا له النبي صلى الله عليه سلم بقول : ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ))[1]

قال : ليعبدون أي ليوحدون .

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه في الصحيح حين بعث النبي صلى الله عليه سلم مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ : ((إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ))[2]

هذا شاهد من هذا الحديث النبوي أن هذه هي دعوة الأنبياء ودعوة الرسل ما بعثهم الله به سبحانه إلا لما رأى انحراف الناس عن توحيد الله سبحانه وتعالى وبالتالي فإن الانحراف في توحيد الله تعالى انحراف في كل الموازين والقيم وانحراف في السلوك وانحراف في الأخلاق انحراف في العبادات وانحراف في المعاملات وانحراف في التصورات فإذا انحرف الناس عن توحيد الله عز وجل انحرفت الموازين عندهم كلها وعادت إلى الطرف الآخر الأنبياء حين أتوا إلى أقوامهم :((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)) سورة الأنبياء آية (25).

فاعبدون أي فوحدون ومن توحيد الله عز وجل إقامة الشعائر والعبادات صحة التصور والمعتقدات والسلوكيات فهذه لها صلة وثيقة بتوحيد الله عز وجل فما انحرف لسان امرئ وما انحرفت تصوراته وما انحرفت معتقداته وأفكاره إلا نتيجة انحرافه في توحيد الله تعالى وانظر إلى قوله النبي عليه الصلاة والسلام : ((والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن  .

قيل :من يا رسول الله ؟

قال : الذي لا يأمن جاره بوائقه )).[3]

أي مشاكله وفتنة وأضراره.

وقال أيضا صلى الله عليه وسلم :((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت))[4]

من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره هذه كلها انظروا كيف ربطها النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان والإيمان هو توحيد الله عز وجل ولذلك فإن العلماء رحمهم الله يربطون ويجعلون وثاقا بين التصورات والمعتقدات وتوحيد الله سبحانه وتعالى وما انحرف لسان أمرئ فصار يغتاب الناس ويقع في أعراضهم إلا نتيجة انحراف إيمانهم هذا أمر مرتبط ارتباطا كليا .

لذلك فإن أول أمر يجب على المسلم هو أن يهتم به هو إقامة توحيد الله عز وجل أن يعبده سبحانه فلا يشرك به شيئا ألا يصرف شيئا من عيادته إلا لله تعالى وألا يعتقد أن شخصا أو زمانا أو مكانا يستطيع أن يتصرف في الكون إلا الله سبحانه وتعالى ومن هنا التشاؤم والتفاؤل له ارتباط وثيق بتوحيد الله عز وجل من هنا فإن الله تعالى قد عاب على المشركين شيئا من تصوراتهم ومعتقداتهم والتي للأسف الشديد إن كانت هذه التصورات والمعتقدات نشأت عن بعدهم عن دين الله وعن امتثالهم لأمر الله تعالى فالأمر المؤسف المحزن كيف تسري هذه المعتقدات والتصورات إلى أبناء الإسلام إلى أبناء هذه الأمة الذين أمرهم الله سبحانه وتعالى أن يكونوا أصحاب تصور وفكر واعتقاد مستقل لا يشبهون فيه أهل الأوثان لا يشبهون فيه اليهود ولا النصارى ولا أي أمة شهر صفر هذا الشهر تشاءم منه أهل الجاهلية وكثير من الناس في هذه الأزمات المتأخرة وشهر صفر هو شهر من شهور الله التي خلقها الله عز وجل وذكرها سبحان في شهر صفر هو شهر من شهور الله التي خلقها الله عز وجل وذكرها سبحانه في كتابه حين قال : ((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)) سورة التوبة أية (36)

هذه الشهر المبارك كان أهل الجاهلية يتشاءمون بل إن بعضهم وليسوا جميعا كانوا يتشاءمون فيه .

سمي هذا الشهر بصفر لأن مكة كانت تخلو من أهلها كان أهلها يخرجون فتصبح مكة صفرا من الناس ليس فيها أحد وكانوا يغيرون على القبائل ينتهكون الأعراض ويسلبون الأموال.

 ومنهم من قال سمي صفرا لأن قبائل العرب كانت إذا غارت على قبيلة من القبائل في هذا الشهر سلبته متاعه وأمواله ولم تبق في يده شيئا أي تركته صفر اليدين فسمي هذا صفر أهل الجاهلية كانوا يقعون في مخالفتين في هذا الشهر المبارك:

 المخالفة الأولى : هو أنهم كانوا ينسؤنه ويؤخرونه ويقدمونه تارة ما جعلوا الأشهر كما خلقها الله عز وجل إنما كانوا يعبثون بها إذا احتاجوا إلى المقاتلة في الأشهر الحرم مثلا في محرم قالوا:إذاً هذا الشهر هو صفر نجعله صفر ونجعل بدل صفر محرم فهذا هو الذي ذكره الله عز وجل من كتابه ((إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ )) سورة التوبه آية(37)

أي نسأت الأشهر و لخبطة هذه الأشهر فقدمت وأخرت أنما هو زيادة في الكفر و إيغال في الكفر بالله عز وجل ولم يستدر الزمان كهيئة يوم خلق السموات الأرض إلا يوم أن خطب النبي عليه الصلاة والسلام في الناس في مكة حين قال: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشرا شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان))[5]

ولهذا كان من جملة تعليل العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا في السنة العاشرة لهذا السبب لأن قريشا ما كانت تحج من ذي الحجة و أنما تلعب بالأشهر كانت ربما من غير شهر ذي الحجة الذي أمر الله قام بإقامة هذه الشعيرة فيها وأن كان ثمة أسباب منعت النبي صلى الله عليه وسلم من الحج من سنوات قبل العاشرة من الهجرة منها :

أن البيت الحرام كان منصوبا حوله ثلاثمائة وستين صنما يعبدون من دون الله وكان النساء والرجال يطوفون حول البيت الحرام عراة حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وأردفه بعلي رضي الله عنهما يخطبون في الناس بل إن عليا هو الذي خطب في الناس فقال : ((ألا يحج في البيت بعد العام مشرك وألا

يطوف في البيت عريان ))

هكذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام هذا الشهر المبارك هو شهر من شهور الله تعالى أيام من أيام الله عز وجل مخلوقات ليس لها أي تأثير في حياة الإنسان لا شؤما ولا سعادة ولا تقدما ولا تأثيرا.

 ولذلك الناس في بعض الأيام يتشاءمون بيوم الأربعاء أو يتشاءمون بمنظر لا يعجبه أو يرى رجلا أعور أو رأى غرابا أو يرى أعرج على سبيل المثال فإن يتشاءم ويرى أن هذا المنظر الذي رآه شؤم عليه هذا من اعتقادات الجاهلية والأولى فإن الأزمان والأماكن والناس والحيوانات وسائر المخلوقات ليس لها أي تأثير في حياة الإنسان لا سعادة و لا شقاوة ولا تقدم أمرا ولا تأخره لا من قريب ولا من بعيد بل إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحذر من هذا فيقول: (( لا شؤم ولا طيرة )) ويقول (( إن التشاؤم شرك)) لأن المتشائم يعتقد أن للمخلوقات تأثير في حياته إما جلبا للسعادة وإما جلبا للشقاوة والتعاسة بل أن المسلم يحب عليه أن يعتقد أن الزمان والمكان والذي يطيع الله عز وجل فيه ويعبد الله تعالى فيه ويستغل والوقت فيه في طاعة الله عز وجل فهذا زمن مبارك عليك وأي زمان أو مكان يعصى الله تعالى فيه فهذان زمان أو مكان شؤم ومشئوم عليه لأنه عصى الله فيه فالأزمان والشهور والأيام والمخلوقات ليس لها أي تأثير في مجريات الحياة لا من قريب ولا من بعيد وإذا نظرنا إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم فإن أول غزوة أقامها كانت في شهر صفر وهي غزوة الأبواء وما فتح رسول صلى الله عليه وسلم خيبر إلا في صفر أما أهل الجاهلية فكانوا في شهر صفر لا يتزوجون يقولون لا يتوقف من تزوج في شهر صفر .

وإذا أراد أحدهم تجارة في شهر صفر لا يتزوجون يقولون لا يتوفق من تزوج بصفر .

وإذا أراد أحدهم تجارة في شهر صفر فإنه يثني عزمه عن ذلك لأنه يقول هذا الشهر مشئوم ولا يتاجر فيه فإن التجارة تخسر وهكذا إذا خرج الواحد من بيته فرأى غرابا عاد أدراجه إلى البيت ومكث في بيته و قال هذا يوم شؤم لأنه رأى فيه الغراب وهلم جر من هذه التشاؤمات .

لقد كان صلى الله عليه سلم يعجبه الفأل الحسن فإذا خرج من بيته ورأى شخصا على سبيل المثال اسمه مبارك تفاءل وقال هذا يوم مبارك إن شاء الله وإذا سمع كلمة تفاؤل تفاءل صلى الله عليه سلم يعجبه الفأل الحسن وكان ينهى عن التشاؤم وينهى عن التطير وينهى عن كل أمر يخدش في توحيد الله عز وجل للأسف الشديد أنه لا يزال في معتقدات بعض المسلمين إلى اليوم أنه في آخر أربعاء من شهر صفر قالوا :هذا يوم أشأم أيام العام ففيه ينزل الله قالوا :هكذا من البلاء والوباء والفتن والمحن ما الله به عليم لذلك يلجأ أرباب البدع في هذه الليلة يلجئون على حد زعمهم إلى الصلاة أربع ركعات بهيئة معلومة ويدعون الله عز وجل أن يرفع عنهم شر بلاء هذا اليوم إلى أخره ذلك هو أمر ليس من السنة في شيء وإن كان هذا الأمر غير معلوم في بلادنا بل ربما قد يكون في زوايا مضيقة من الناس يتعاملون مع هذا البدعة لكن لم يكن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة الدين المشهود لهم بالإمامة والخير ما كانوا يقيمون مثل هذه الصلوات بل ما كانوا يتشاءمون في الأشهر ولا في الأيام ولا في الأماكن ولا في شيء من هذا إطلاقا بل الواجب على المسلم أن يعرف هذا الأمر العظيم الذي خلقه الله عز وجل بمعرفته وهو توحيد الله عز وجل و واجب عليه أيضا أن يعرف ما يضاد توحيد الله عز وجل من التشاؤم ومن الإشراك بالله عز وجل علم أو لم يعلم وكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام الذي علمه لأبي بكر فقال : ((يا أبا بكر ! للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل”.

 فقال أبو بكر: وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟

 فقال النبي صلى الله عليه وسلم : “والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره؟”.

 قال: “قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، و أستغفرك لما لا أعلم))[6].

فإن الشرك أبواب كثيرة يحتاج المرء إلى التبصر بها وإلى معرفتها حتى لا يقع فيما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى فقلنا أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يتشاءم في شيء بل كان يتفاءل إن كثيرا من المعارك أقامها في هذا الشهر فتح الله سبحانه وتعالى عليه ففي غزوة الأبواء نصره الله عز وجل وفي خيبر فتح الله وهكذا كثيرا من المعارك أقامها في هذا الشهر المبارك لم يكن من خلق المسلمين الذين تربوا على يد النبي عليه الصلاة والسلام أنهم كانوا يتشاءمون في زمن أو مكان بل حتى لو حصل لهم انتكاسة وهزيمة في من أو مكان أو يوم ما كانوا يتشاءمون من ذلك اليوم أطلاقا فمجريات الأمور كلها واقعة وفق قضاء الله وقدره ما قدره الله تعالى على الإنسان كان وما لم يقدره لم يكن كما قال لابن عباس رضي الله عنهما ((يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ))[7]

 فمجريات الأمر تمشى وفق قضاء الله وقدره لا يستطيع الإنسان درأها ولا يستطيع الإنسان تأخيرها ولا تقديمها فلا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعا ما كان ليصل إليه ولا ليدفع عن نفسه طرا كان مقدرا أن يصل إليه.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم أنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه                     وبعد:

 أيها الإخوة في الله:

 أن دعوة التوحيد أخذ قسطا وافرا من حياة دعوة النبي عليه الصلاة والسلام فالشرائع لم تشرع إلا في المدينة وقد مكث صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عاما وهو يركز على إقامة توحيد الله عز وجل صحيح أن الصلاة فرضها الله عز وجل في مكة ولكن بقية الشعائر لم تفرض إلا في المدينة فالصوم والزكاة والحج والجهاد كل هذه حدثت بعد أن هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وبالرغم من هذا فلقد كان يعطي النبي عليه الصلاة والسلام من حياة دعوته بالمدينة القسط الأوفر والحظ الأكبر لتصحيح توحيد الله عز وجل أنه كان يأمر الناس بإقامة توحيد الله عز وجل وينهاهم عن الوقوع فيما يناقض هذا التوحيد يقول في آخر حياته صلى الله عليه سلم ((لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ))[8]

قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها يحذر ما صنعوا أي حتى لا تقع الأمة فيما وقعت فيه اليهود والنصارى وقيل هذا كانت إحدى زوجاته حيثما هاجرة إلى الحبشة وذكرت له الكنائس والتي رأتها ورأت حولها النصارى ورأت فيها من القبور وما يفعل فيها ما من الطواف والتمسح بها والدعاء لها والنذر لها فقال صلى الله عليه وسلم : ((لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)) [9]

وقال صلى الله عليه سلم :((اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ))[10]

أي يطاف حوله ويسجد له يذبح له وينذر له يمسح به فإذا نظرت إلى واقع الأمة وجدت أن كثيرا من الأضرحة في العالم الإسلامي قد وقعت فيما حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام من الطواف حوله والذبح لها والنذر لها والاعتقاد بأصحابها هذا كله من التشبه بأهل الجاهلية الأول من التشبه بأعداء الله تعالى من يهود ونصارى فإن الإنسان المقبور إن كان صالحا فصلاحه لنفسه وهو لا يدري من مجربات الحياة شيئا ولا يستطيع أن ينفع نفسه ولا أن يدفع عن نفسه ضرا فضلا على أن يجلب النفع لنفسه أو يدفع الضر عن غيره ولهذا لا يدرون عما هو واقع إطلاقا.

إن إقامة توحيد الله عز وجل والاعتناء به الأعمال كلها مرهونة به قبولا ورفضا فإن صح توحيد الله عز وجل  صحت بقية العبادات وتقبلها الله تعالى وإن فسد التوحيد فإن الإعمال الباقية كلها تصير هباء منثورا .

يقول الله تعالى ((إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً)) النساء آية (48).

الشرك بالله لا يغفره الله عز وجل ما سوى ذلك لو لقي الإنسان ربه بملء الأرض والسماء ذنوبا ثم لقيه لا يشرك به شيئا للقيه الله تعالى بمثل ذلك مغفرة كما جاء في الحديث ((يقول الله عز و جل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة ))[11]

فالشرك بالله تعالى لا يغفره الله بقية الذنوب والمعاصي يغفرها الله عز وجل بل لو صح التوحيد عند العبد بعد أن يمحص من الذنوب في نار جهنم مرجعه بعد ذلك إلى جنات النعيم هذا هو المعتقد الذي علمنا إياه رسولنا صلى الله عليه وسلم أننا لا نكفر أحدا بذنب اقترفه لا زنا ولا ربا ولا أكل حرام بل حتى قتل النفس التي حرمها الله عز وجل وإن كان هذا ذنبا عظيما ما لم يكن العبد مستحلا لهذا الذنب .

يقول الزنا حلال والرشوة حلال ما لم يستحل الذنب قد يغفره الله له أما الشرك بالله تعالى لا يغفره أبدا لا يقبل عمل عامل مهما أتعب نفسه ومهما أجهد نفسه فإن أعماله تصير هباء منثورا فتوحيد الله عز وجل الأعمال مرهونة به صحة وفسادا قبولا وردا.

 أسأل الله عز وجل أن يبصرنا بديننا وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.

والحمد لله رب العالمين.



[1] – البخاري 1/149

[2] – البخاري 6/2685

[3] – البخاري5/2240

[4] – البخاري 5/2273

[5] – البخاري 3/1168

[6] الأدب المفرد للبخاري 1/259

[7] – سنن الترمذي 4/667

[8] – البخاري 1/445

[9] – البخاري 1/445

[10] – موطأ مالك 2/241

[11] – مسلم 4/2068

اضافة تعليق

اضغط هنا للتعليق