تابعنا على

إنتاجات الشيخ خطب مفرغة

محبة النبي- صلى الله عليه وسلم-

فإن المحبة  تجلب للمحبوب محبة عظيمة  في القلب وتعطي لهذا المحبوب مكانة عظيمة  لدرجة أن الإنسان  يتلذذ في أن يأخذ ألم محبوبه  وفي أن يكون في الموطن  التي لا يحب أن يكون محبوبه فيها فكم من الناس  من إذا أحب إنساناً ربما طلب أن يسجن مقابل أن يفرج عن هذا المحبوب  ولا تستغرب مثل هذا أبداً …

خطبة بعنوان : (محبة النبي- صلى الله عليه وسلم-  )

العناصر:

  1. منزلة المحبة .
  2. اختلاف الناس في المحبة .
  3. نماذج من المحبة .
  4. أعظم المحبة .
  5. الأسباب الجالبة للمحبة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )) سورة آل عمران آية (102).

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً )) سورة النساء آية (1).

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70)يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)))) سورة الأحزاب الآيات (70-71).

 أما بعد

فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

–  روى الإمام البخاري في صحيحة من حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه- قال : إن رجلاً أتى إلى  النبي صلى الله عليه واله وسلم – فقال: يا رسول الله متى الساعة ؟ فقال له- صلى الله عليه وسلم – وما أعددت لها ؟ قال : والله ما أعددت لها  كثير صلاة ولا صيام غير أني أحب الله ورسوله فقال:- صلى الله عليه وسلم – (( أنت مع من أحببت ))[1]

قال انس- رضي الله عنه- فو الله ما فرحت بشيء  بعد الإسلام مثل فرحي بقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم – أنت مع من أحببت ، قال أنس : فأنا أحب رسول الله- صلى الله عليه واله وسلم – وأبا بكر وعمر وأحب أن يحشرني الله- عز وجل- معهم  وإن كنت لم أعمل بعملهم .

في هذا الحديث المبارك – أيها الأخوة المباركون – دليل على من أحب شيئاً  تعلق به وأن المحبة إذا توغلت في القلب شغلته وأن محبة الناس أو محاب الناس تتفاوت  من شخص إلى آخر فهذا متعلق بالله- عز وجل- وهذا متعلق بشهوات نفسه  وهذا  متعلق بكرة القدم وهذا معلق بنجم من نجوم  السينما وهذا معلق بدنياه ، وهلَّم جرا، فالقلب إذا تمكن منه حب شيء داوم على ذكره وداوم على تصوره وشغل باله  وشغل همه في حديث أنس- رضي الله عنه- الآخر يقول – صلى الله عليه واله وسلم-  (( من كانت الآخرة  همه جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله تعالى له )) [2] ففرقٌ بين من جعل الآخرة هي الهم ومن جعل الدنيا هي الهم ، من جعل الآخرة همه شغلته الطاعات شغلته العبادات  وشغله ذكر الله- عز وجل – وكان دائما يلهج بذكر الله عز وجل – وكان دائماً ممتثلاً  لأوامر الله- عز وجل-  وأوامر رسوله- صلى الله عليه وآله وسلم – جمع الله له شمله أي جمع الله له أمره ، ولم ينشغل قلبه بغير طاعة الله- عز وجل – ولم يصر قلبه مشغولاً  بالأوامر الأخرى بل يجمع الله تعالى له الشمل ، وجعل غناه في قلبه دائما يشكر الله- عز وجل-  وإن كان ما بيده قليلاً إلا أنه شاكر لله- عز وجل- ألا ترى إلى كثير ممن ليس له مال دائماً في حمد الله ودائماً في شكر الله ودائماً يذكر نعم الله -عز وجل- ، وذلك الآخر الذي فتح الله عليه الدنيا بمصراعيها  تجده دائما يشكو الله- تعالى -إلى خلقه يشكو القلة ويشكو الضعف ويشكو الفقر ويشكو الحاجة ففرق بين هذا وذاك  ، فهذا جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله  وذاك جعل الله فقره بين عينيه وفرَّق شمله، قال : وأتته الدنيا وهي راغمه بمعنى أن ما كتب الله تعالى له سيأتيه ، كما قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم – ((لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها ، وإن أبطأ عليها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ))[3]  أي اسلكوا السبل الجميلة في طلب الرزق  ، السبيل الحلال فإن رزق الله تعالى لا يقترن بالمعصية  إن مقادير رزق الله- تعالى-  قد توزعت بين العباد وكتب الله- تعالى- لهذا أن يكون غنياً ولا يصلح له إلا الغنى  وكتب لذلك أن يكون ميسور الحال  ولا يصلحه إلا ذلك ، وكتب لذلك الفقر ولو أغناه الله تعالى  – لكفر بنعم الله- تعالى- ((نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ )) سورة الزخرف أية (32 ) .

 فالله تعالى هو الذي يقسم المعيشة ولهذا مهما حاول  الإنسان أن يستجلب  لنفسه الرزق فإنه لا يستطيع  ألا ترى إلى  الطير الضعيف كيف يأتيه رزقه كما قال- صلى الله عليه آاله وسلم -(( لو أنكم توكلون على الله حق توكله  لرزقكم  كما يرزق الطير  تغدو خماصاً – أي جائعة – وتروح بطاناً))[4] فمن رزق  هذا الطير الصغير الضعيف  الذي لا يملك حيلة  ولا يهتدي سبيلاً  ، إنه الله- عز وجل -.

  • ·        من كانت الآخرة همه جمع الله له شمله  وجعل غناه في قلبه وآتته الدنيا وهي راغمه ، أتته الدنيا وهي راغمه لا يلزم أن يكون  متوسعاً فيها لأن الدنيا ـ أيها الأخوة – لا يغتر بها إلا من جهل حقيقتها لأن هذه الدنيا تزول ولأن هذه الدنيا لا يأخذ المرء منها إلا ما يحتاج  إليه ، أما ما زاد عن حاجته فإنه يتركه  لغيره ويأخذه غيره حلالاً زلالاً وهو الذي يحاسب على هذا الجمع الذي جمعه  من أين أخذه وفيم أنفقه فإذا علمنا حقيقة هذه الدنيا  وأنها لا تساوي شيئاً كما قال- صلى الله عليه واله وسلم- ((  لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة  ما سقي منها كافرا شربة ماء ))[5] وهذا لا يعني أن الإنسان لا يكسب وأن الإنسان لا يسعى وأن الإنسان لا يبني  وأن الإنسان لا يجتهد  لا يعني هذا لكن فرق بين إنسان جعل الدنيا همه وآخر جعل الآخرة همه .

إنه فرق بين همين من كانت الدنيا همه فرق الله عليه شمله فتجده يركض كما تركض الوحوش  لا تجتمع له الأمور مشغول على طول الخط هنا وهنا و هنا لا تجتمع له أموره وفقره بين عينيه  دائما ينظر إلى الفقر دائماً  غير شاكر وغير ذاكر  لله- عز وجل- ، قال ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له كم من الناس من أغناه الله – تعالى- وكان في بادئ أمره يعني يحتطب وكم  من الناس من أغناه الله –تعالى- وكان في بادئ أمره يبيع أشياء تافهة فصار من كبار تجار المسلمين ليس بقوته ولا بحيلته ربما كان عامياً لم يكن متعلماً ولم يتخرج من الجامعات ولم يدرس أصول التجارة ولا أصول الإدارة ولكنها الأرزاق – ربنا تعالى- هو الذي كتب لهذا الإنسان  رزقه انظروا- أيها الأخوة – كيف أن من الناس من إذا شغل قلبه وعلق قلبه  بالآخرة ، كان ذلك هو همه .

هذا أنس- رضي الله عنه – قال : سألت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-  أن يشفع لي يوم القيامة : أريد أن تشفع لي يا رسول الله يوم القيامة ، قال : إني فاعل  لم يقل له : أعطني مالاً  ولم يقل له أدع الله أن يوسع رزقي ولم يقل له شيئاً من هذا لأنه يعلم أن ما كتب الله له سيأتيه حتما، أريد شفاعتك يوم القيامة ، قال : إني فاعل ولم يكتف أنس- رضي الله عنه- بهذا بل قال : أين سأجدك  يا رسول الله يوم القيامة  ، قال : ستجدني على الصراط قال : فإن لم أجدك قال :فعند الميزان  قال : فإن لم أجدك قال: فعند الحوض فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواضع ، إن لم تجدني هنا فهناك عندئذ تنل سؤلك .

  • ·        وهذا رجل خدم  النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: كنت أخدمه  من الصبح حتى العشاء  فأقف عند بابه لعله تعترض للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- حاجة فأقضيها له فلما رأى مكانتي من خدمته يوماً قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لي يا فلان سلني أعطك ، يعني مقابل هذه الخدمة التي أنت تقوم بها سلني أعطك ، قال:  سأنظر يا رسول الله  وكان حصيفاً  عاقلاً لم يشرع  في السؤال لأن مثل هذا العرض قد لا يتكرر عليه  ، سأنظر في أمري يا رسول الله  ، فبات ليلته يفكر ، ثم هداه الله قال في نفسه : إني لو طلبت من النبي- صلى الله عليه وآله وسلم – أمراً من أمور الدنيا لأعطاني فإن هذه الدنيا زائلة  ستأتينني حتماً  ولكن الآخرة  فلما أصبح قال : ماذا صنعت قال نظرت في أمري يا رسول الله قال : وما طلبك ؟ قال : أن تشفع لي يا رسول الله  يوم القيامة ، قال: ومن أشار عليك  بهذا ؟ قال : لا أحد ولكني نظرت إلى هذه الدنيا فقلت: إنها زائلة  وأن ما أطلبه منها  سيأتي حتماً ، ولكن أمر الآخرة أعظم ، فدعا له- النبي صلى الله عليه وآله وسلم – ، ثم قال له: فأعني إذاً على  نفسك بكثرة السجود ، أعني بالطاعة والقرب من الله – جل وعلا – أعني بالقرب من الله- تعالى  – فإن هذا مما يدخلك  في هذا المسلك ومما يحقق لك سُئلك بإذن الله تعالى .
  • ·        المحبة العظمى أيها الأخوة هي محبة الله- تعالى – وحب رسوله- صلى الله عليه وآله وسلم – ومحبة الله والرسول ليست قصص تروى  ولا  حكايات يترنم بها الناس ولكنها عمل يثمر عملاً (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) )) سورة آل عمران آية (31) .

إنها تثمر أعمالاً صالحة  اتباعاً لأمر الله- عز وجل-  واتباعاً  لأمر رسوله- صلى الله عليه وآله وسلم -كثير منكم يعرف قصة حنظلة الذي كان كثيراً  ما يجالس النبي- صلى الله عليه وآله وسلم – ففي يوم لقيه
أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-  في الطريق فقال له : كيف حالك يا حنظلة قال : نافق حنظلة قال : وكيف ذاك  قال: إنا إذا كنا عند- رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم-  وذكَّرنا بالجنة والنار كأنها رأي عين  يعني كأننا نراها، فنخشع ونخضع  فإذا عدنا إلى بيوتنا  وخالطنا نساءنا وأبناءنا وأموالنا نسينا كل هذا ، قال أبو بكر ـ رضي الله عنه – إن كان هذا نفاقاً  فإني أجد ما تجد فهلم نذهب إلى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم –  فذهبا إلى  رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم – وأخبراه بما هو حاصل  فقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم – : لا ليس هذا من النفاق ثم قال :لو أنكم تكونون في بيوتكم  وأعمالكم كما أنتم عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات وفي بيوتكم ولكن يا حنظله  ساعة وساعة ))[6] يعني أن الإنسان  ليس دائماً في بكاء وليس دائماً في خوف وحزن  إنما ساعة وساعة ، ولهذا فإن العبد المنيب الخائف الوجل من الله- تعالى – هو الذي يجمع بين الأمرين ليس المطلوب  من الإنسان أن يكون على وتيرة واحدة  إطلاقاً  ، ولهذا جعل الله- تبارك وتعالى – هذه الحياة منها ما يقضي الإنسان فيها وطره وحاجته ومنها ما يكون واقفاً  بين يدي الله -عز وجل -.

  • ·        إن محبة الله- تعالى- لها أسباب تجلبها .

من هذه الأسباب التي تجلب هذه المحبة قراءة القرآن العظيم  ، إنه كلام الله –تعالى- الذي أنزله على محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- فمن أحب الله- تعالى- أكثر من ذكره وأكثر من تلاوة كلامه وأكثر من تدبر كلامه وأكثر من العمل بأوامره وأكثر من الابتعاد عما ينهي عنه- سبحانه وتعالى-  هذا هو السبب الأول من الأسباب التي تجلب محبة الله تعالى  – ((فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152) )) سورة البقرة أية (152 ) .

السبب الثاني الذي يجلب محبة الله- تعالى- للعبد التقرب إليه- سبحانه وتعالى- بالنوافل  كما في الحديث القدسي (( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه))[7] إلى آخر الحديث …

السبب الثالث : دوام الذكر بالقلب واللسان والعمل فلا يزال لسان العبد  رطباً من ذكر الله- عز وجل-.

رابعاً : إيثار محبة الله- عز وجل  – على محاب الناس  وفي الحديث ((من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس )) . [8]

خامسها : التأمل في أسماء الله تعالى وصفاته .

وأنت إذا تأملت في أسماء الله- تعالى- الخالق الرازق الكريم الرءوف الرحيم  وكيف تصل  آثار هذه الأسماء إلى عباد الله- عز وجل- إنها تزرع في قلبك محبة الله- عز وجل- وإنك إذا تدبرت في أسماء الله- تعالى – التي تشير إلى البطش والعذاب إنك توجل وتخاف منه- سبحانه وتعالى- .

سادسها : التأمل في نعم الله- تعالى  – وما أنعم الله –تعالى- به عليك من النعم الظاهرة والباطنة  فالنفس مجبولة على محبة من أنعم إليها .

سابعها : انكسار القلب بين يدي الله- تعالى- فإذا انكسر القلب  بين يدي الله -عز وجل- وخضع لله- عز وجل-  أحبك الله سبحانه .

الثامن : الخلوة بالله تعالى : خصوصاً في أوقات النـزول في الثلث الأخير من الليل فإذا اختلى العبد بربه وناجاه وتضرع إلى اليه سبحانه وتعالى  ودمعت عيناه أحب الله تعالى وجلب لنفسه محبة الله تعالى.

تاسعها: مجالسة الأخيار :إن مجالسة عباد الله الصالحين تورث محبة الله عز وجل .

عاشرها : الابتعاد عن الأسباب التي تحول بين  العبد وبين محبة الله تعالى: ومنها الابتعاد عن المجالس التي تقسي القلوب والمجالس  التي تؤدي بالإنسان في النهاية إلى أن يرتكب ما حرم الله تعالى فالمرء على كل حال مع من أحب ويحشر معه ومن أحب الفاسدين والضائعين  حشر معهم .

نسأل  الله تعالى أن يحشرنا في زمرة  نبيه صلى الله عليه وآله وسلم .

 أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين  والصلاة والسلام على رسولنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

وبعد :

فإن المحبة  تجلب للمحبوب محبة عظيمة  في القلب وتعطي لهذا المحبوب مكانة عظيمة  لدرجة أن الإنسان  يتلذذ في أن يأخذ ألم محبوبه  وفي أن يكون في الموطن  التي لا يحب أن يكون محبوبه فيها فكم من الناس  من إذا أحب إنساناً ربما طلب أن يسجن مقابل أن يفرج عن هذا المحبوب  ولا تستغرب مثل هذا أبداً .

هذا الصحابي الجليل خباب بن  الأرت أخذه المشركون وسجنوه ولما خرجوا به إلى ساحة القتال قالوا له : أتحب أن يكون محمد مكانك الآن وأنت  في بيتك قال : لا والله  ما أحب أن محمداً صلى الله عليه واله وسلم  في بيته ويصاب بشوكة  وأنا في بيتي ثم يقرب من السيف فيقتل وهكذا ايضاً تلك المحبة التي أحب بها الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلتهم يقولون له :
يا رسول الله هذه أموالنا بين يديك  فأصنع بها ما شئت وهذه أنفسنا بين يديك .

فمرنا بما شئت فو الله لأن أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه دونك ولقاتلنا بين يديك  وعن يمينك وعن شمالك ومن خلفك إن هذه هي المحبة الحقيقية لهذا كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم
(( لا يؤمن أحدكم  حتى أكون أحب إليه من ماله  ووالده وولده  والناس أجمعين ))[9] قال عمر ـ رضي الله عنه ـ : إني الآن يا رسول الله  لأحبك أكثر من والدي  وولدي  ومالي والناس أجمعين  إلا نفسي  التي بين جنبي  قال : لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك ، قال فالآن لأنت أحب إلي من نفسي  ووالدي وولدي  ومالي والناس أجمعين  قال : الآن يا عمر  ، أي الآن استكملت دينك، حينما تجعل نفسك  دون رسول الله صلى الله عليه واله وسلم  ، أن تحب رسول الله أكثر من محبتك لنفسك لأن مكانة النبي ـ صلى الله عليه واله وسلم –  عظيمة فهو السبب في إنقاذك من النار وفي إنقاذك من الضلال  ولذلك وجبت محبته صلى الله عليه واله وسلم  ووجب أن تكون محبته في الذروة العليا  إننا أيها الأخوة  في النصف الأخير من شهر شعبان ولذلك هي هذه المحبة إن كانت موجودة  في قلوبنا لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولكتابه عز وجل إن المحبة سوف تتمثل وتتجسد  في أعلى وفي أجمل صورها في مثل هذه الأيام  وفي شهر رمضان  بإذن الله عز وجل  ولهذا نسأل الله عز وجل  أن يبلغنا رمضان  وأن يجعلنا وأياكم من المتنافسين فيه في الطاعات كلها ، إن صورة المحبة  لله جلا وعلا  ولرسوله صلى الله عليه واله وسلم من أراد أن يظهرها صورة جلية  فليظهرها في مثل هذه الأيام الفاضلات وفي شهر رمضان بإذن الله عز وجل المبارك كذلك ولكن شهر رمضان محل للطاعة والعبادة وليس مكانا لأنواع الملذات  والطعام والشراب فلم يشرع الصوم من أجل ذلك أبداً  لم يشرع الصوم من أجل أن تكون موائدنا فيها من الأشكال والألوان  وإنما شرع الصيام من أجل أن يستشعر الإنسان نعم الله عز وجل عليه في هذه الحياة  وأن يستشعر أحوال الفقراء  وأن يستشعر فقره إلى الله  عز وجل وأن يستشعر محبة ذكره عز وجل وحب  كتابه ومحبة الوقوف بين يديه ومحبة الاختلاء به في الاعتكاف في العشر الأواخر في رمضان ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37) )) سورة النور آية (37) .

والحمد لله رب العالمين .



[1] صحيح البخاري الجزء (6) الصفحة (2615) حديث رقم (6743)

[2] كنز العمل في سنن الأقوال والأفعال الجزء(16) الصفحة (135) حديث رقم (44160)

[3] البحر الزخار الجزء (7) الصفحة (391) حديث رقم (2530)

[4] إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي الجزء (5) الصفحة (80) حديث رقم (6666)

[5] سنن الترمذي الجزء (4) الصفحة (560) حديث رقم (2320)

[6] سنن الترمذي الجزء (4) الصفحة (666) الحديث رقم (2514)

[7] الأربعون النووية الجزء (1) الصفحة (38)

[8] جامع الأحاديث الجزء (20) الصفحة (67) رقم الحديث (21523)

[9] السنن الكبرى للنسائي الجزء (6) الصفحة (534)

اضافة تعليق

اضغط هنا للتعليق