من عمل وأيقن أن شبابه ينتهي إلى هرم وأن صحته تنتهي إلى سقم وأن شبابه ونشاطه ينتهي إلى فتور وإلى ضعف وخور من علم أن حياته يصير مآلها إلى مفارقة هذه الحياة و أيقن وعلم حقارة الدنيا وأن الإنسان لن يأخذ من هذه الدنيا ولن ينتفع فيها إلا بما قدم من العمل الصالح.
المداومة على الطاعات
العناصر:
1- علامات القبول والرد
2- العودة على الأعقاب.
3- المداومة على العمل.
4- أهمية المحافظة على الفرائض.
5- العبرة بإحسان العمل لا بكثرته.
6- حكمة إتباع رمضان بست من شوال.
أما بعد:
عباد الله:
ولت أيام رمضان وانقضى ذلك الشهر المبارك الكريم وانقضى بلياليه الزاهرة وبأوقاته العاطرة انتهى ومضى ورأينا من المسلمين جدا ونشاطا في العمل في ذلك الشهر المبارك الكريم هذا الشهر الذي هيأه الله تبارك وتعالى وهيأ فيه الطاعة فشمر المشمرون وتخاذل وتكاسل بعض المسلمين فوجدوا حلاوة الطاعة ونفروا من المعاصي والذنوب والسيئات عافوها في ذلك الشهر الكريم .
إن الله تعالى حينما هيأ هذا الشهر الكريم جعله مدرسة وجعله محطة يتزود بها المسلمون لبقية أيام العام ومن لم يستفيد في الشهر المبارك فإنه لا يمكن أن يستفيد من بقية الأيام إلا أن يشاء الله تعالى فالمؤمن ينبغي عليه ألا يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ذلك المثل الذي ضربه الله عز وجل لامرأة فيها من الحمق وفيها من الخبل ما فيها إنها تغزل وتشد وثاق الخيوط حتى إذا بلغت مداها وقوتها نكثتها فأعادتها شعرا كما كانت من قبل فضرب الله تعالى هذا المثل لمن يعمل عملا صالحا ويجتهد فيه حتى إذا كاد أن يتمه نقضه فعاد كما كان من قبل أريتم لو أن إنسانا يبني بيتا فينصب فيه ويجتهد في تقويته حتى إذا وصل إلى التمام نقضها حجر حجرا فعادت الأمور إلى ما كانت عليه من قبل ماذا يقال في مثل هذا الإنسان ؟ فكلما كاد البنيان أن ينتهي نقضه هكذا حال بعض الناس الذين يعملون في المناسبات ويعملون في شهر رمضان حتى إذا انقضى رمضان عادوا إلى ما كانوا عليه وإن أحب الأعمال إلى الله تعالى (( أدومها وأن قل ))[1]. وذلك نظرا لصحته وثباته ودوامه، سئلت عائشة رضي الله عنها عن عمل النبي صلى الله عليه وسلم هل كان يخص أياما محددة بعمل فقالت رضي الله عنها: لا إنما كان عمله ديمة يعمله ثابتا مداوما عليه وأيكم يستطيع ما كان يستطيع النبي صلى الله عليه وسلم .
لهذا ينبغي على المسلم أن يكلف نفسه وأن يلزم نفسه من العمل ما يستطيع أن يداوم عليه من تلك الأعمال التي كان يعملها في شهر رمضان.
فإن رب رمضان هو رب شوال ورب بقية الشهور ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ومن كان يعبد رمضان فإن رمضان قد ولى وسيعود بإذن الله سبحان وتعالى إن كان في الأعمار بقية يقول عليه الصلاة والسلام (( اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ ))[2]
أي كلفوا أنفسكم من الأعمال ما تطيقون فأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها .
أكلفوا من العمل ما تطيقون : أي الثبات عليه والمداومة عليه بحيث لا ينقطع العمل وليضرب المؤمن لنفسه من الأعمال من كل باب بحظ ونصيب فلا يكون في أعماله موسميا وإنما يكون مداوما على شيء من الطاعة ولو كان قليلا هكذا يقول صلى الله عليه وسلم أكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله تعالى لا يمل : أي عن إثابتكم وعن إعطائكم الأجر حتى تملوا من العمل فإذا مللتم من العمل فلا يأتيكم من الأجر ما كنتم تحصلون عليه في وقت الجد والعمل نعم إن النفس قد يكون لها نوع من الجد والنشاط في بعض المواسم وفي بعض الأيام وفي بعض الفصول يقل هذا النشاط ويأتي الفتور الذي يصيب هذه النفس كما قال صلى الله عليه وسلم (إن لكل عمل شرة: أي قوة ونشاط و لكل شرة فترة : (أي أن الإنسان بعد نشاطه يترك العمل أويفتر عن العمل فيقل إلى حد ما ) فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى و من كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك))[3] أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لأن من الناس من يفتر فيبقى على مستوى من العمل ومن الناس من يفتر فيترك العمل بالكلية وهذا هو الأمر الخطر على هذا الإنسان فإن الله لا يمل حتى تملوا .
وإن أفضل ما تقرب به العبد إلى الله تعالى ما افترض الله عز وجل عليه من الأعمال كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الحديث القدسي أن الله عز وجل قال في الحديث ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))[4]
أي أن الله تعالى يوفقه ويوفق جوارحه فلا يعمل إلا بطاعة الله عز وجل .
ضرب الله مثلا في كتابه الكريم خرج عمر يوما على الناس فقال أيها الناس قول الله عز وحل ((أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ )) سورة البقرة (266)
ما هذا فقال ابن عباس رضي الله عنه : هذا مثل ضربه الله تعالى لعمل .
قال: ما العمل ؟
قال : العمل .
قال :ما العمل ؟
قال عمر رضي الله عنه: مثل ضربه الله تعالى لرجل غني كان يعمل بطاعة الله تعالى ثم أرسل الله إليه شيطانا ليبتليه ويختبره فإذا به يعمل بمعصية الله تعالى حتى أغرق أعماله الصالحة .
فيا سبحان الله إن كثيرا من الناس عملوا بالطاعات في شهر رمضان واجتهدوا فيها ولكن بعض هؤلاء الناس إذا ولى رمضان عادوا إلى ما كانوا عليه من الفسوق والعصيان ومخالفة أمر الله والتقصير في طاعة الله .
ألا فداوموا على الأعمال والطاعات كما كان حال نبينا صلى لله عليه وسلم .
وإن المؤمن ينبغي عليه أن يلزم نفسه بالمداومة على الأعمال والمداومة على الطاعات حتى يكون له من كل عمل حظا ونصيبا
أسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق والسداد أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفي وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
أيها المسلمون إن المداومة على الطاعات أمر درج عليه الصالحون ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ )) سورة الأنعام آية (90).
ودرج عليه المؤمنون الصالحون الخائفون من الله العارفون بحقارة الدنيا وبأنها زهرة يوشك أن تذبل وبأنها حياة وأوقات وأنفاس يوشك أن تنتهي .
أيها المؤمنون:
من عمل وأيقن أن شبابه ينتهي إلى هرم وأن صحته تنتهي إلى سقم وأن شبابه ونشاطه ينتهي إلى فتور وإلى ضعف وخور من علم أن حياته يصير مآلها إلى مفارقة هذه الحياة و أيقن وعلم حقارة الدنيا وأن الإنسان لن يأخذ من هذه الدنيا ولن ينتفع فيها إلا بما قدم من العمل الصالح والأمر كما قال صلى الله عليه وسلم ((يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِى مَالِى – قَالَ – وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ))[5]
وقال ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ) . قالوا يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه قال ( فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر)) [6]
أيها المسلمون:
أن العاقل هو الذي يهتم بالأمر الذي يحتاج إليه ويفتقر إليه في حال دخول قبره وفي حال بعده عن هذه الحياة وفي حال انقطاع العمل يهتم بهذا الأمر أكثر من اهتمامه بالأمر الزائل بالأمر الذي ينتهي بالأمر الذي يأخذه غيرك حلالا زلالا وأنت تحاسب عليه وتوقف من أجله للمحاسبة بين يدي الله عز وجل.
فأي شيء يفتقر إليه العبد حين مفارقة الحياة لا يفتقر إلى ماله ولا إلى سلطانه ولا شيء من هذا إنما يحتاج إلى عمله لهذا جاء في الحديث:( أن الجنازة إذا حملتها الرجال على أعناقهم أن كانت صالحة قالت قدموني وأن كانت غير صالحة قالت يا ويلها أين تذهبون بها).
أيها المؤمنون إن الله شرع لعباده المسلمين بعد انقضاء رمضان أن يصوموا ستا من شوال والأفضل أن تكون مباشرة بعد العيد فمن لم يستطع ذلك ففي خلال شهر شوال وذلك من أجل أن يكن الإنسان مواصلا للعمل ومداوما على شيء من العمل الذي كان اعتاده في رمضان من أجل أن يكون صيام هذه الست مكمل لصيام رمضان يقول صلى الله عليه وسلم ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)) [7]
أي كمن صام السنة كلها إذا علمت أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين وقد يكون ثلاثين فأضفت إليها ستا صارت (36) وضربتها في عشرة صارت ثلاثمائة و ستين يوما وذلك هو السنة كلها فالحسنة بعشر أمثالها.
من أجل هذا حث صلى الله عليه وسلم على صيام هذا الأيام وهل يبدأ بالقضاء أم يجوز له أن يبدأ بالست وأن كان عليه شيء من القضاء هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم والأفضل أن يبدأ الإنسان بقضاء رمضان وذلك لأنه كما قال: بعض أهل العلم لا يصدق عليه أنه صام رمضان كله بل كما قال الله جل وعلا ((فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ … )) سورة البقرة آية (185)
أي أنه بقي عليه أيام من هذا الشهر فلا يصدق عليه أنه صام رمضان كله وقالوا: أيضا إن هذا تماما كمن صام أو ل يوم أو ثاني يوم ثم مرض فهل يصدق عليه أنه صام رمضان فالأحوط أن يبدأ الإنسان بالقضاء ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يجوز أن يؤخر القضاء إلى ما بعد شوال.
أيها المؤمنون المداومة على الطاعات المداومة على نوافل الأعمال بل على الفرائض وملازمتها قبل النوافل أمر أهتم به العقلاء من المؤمنين من السابقين بالخيرات من العارفين بالله سبحانه وتعالى فالزموا طاعة الله عز وجل وداوموا عليها وحافظوا على الأعمال التي كنتم تعملونها في رمضان من صيام النوافل ومن قراءة القرآن ومن الذكر والدعاء والابتهال إلى غير ذلك من الأعمال كالصدقات والنفقات وتفقد أحوال اليتامى والأرامل والمساكين والمحتاجين ينبغي علينا أن نكون مداومين على طاعة الله عز وجل.
ثم اعلموا أيها المؤمنون أن الله تعالى أمرنا بأمر فبدأ به نفسه ثم ثنى بملائكته وثلث بكم أيها المؤمنون فقال عز من قائل كريما : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )) سورة الأحزاب آية (56)
اللهم صلى وسلم وبارك على محمد كما صليت وباركت على إبراهيم في العالمين أنك حميد مجيد ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار والحمد لله رب العالمين .
[1]– البخاري 5/2373
[2] – سنن أبي داود 1/519
[3] – صحيح أبن خزيمة 3/293
[4] – البخاري 5/2384
[5] – صحيح مسلم 8/211
[6] – البخاري 5/2366
[7] – مسلم 3/169



اضافة تعليق