تابعنا على

إنتاجات الشيخ خطب مفرغة

سكان القمم

إذا نظرت في الحياة فسترى قيما عالية و أخلاقا رفيعة وفي المقابل سترى سفاسف دنيئة وقيما وضيعة.

سكان القمم

إذا نظرت في هذه الحياة فسترى فيها القمم الشامخة والفيافي الواسعة والوديان السحيقة وترى أيضا النسور التي تحلق في السماء وتعانق الغيوم وتزاحم النجوم .

في المقابل نرى من يزحف في بطون الأودية أو يدفن رأسه في التراب كالنعام .

و إذا نظرت في الحياة فسترى قيما عالية و أخلاقا رفيعة وفي المقابل سترى سفاسف دنيئة وقيما وضيعة.

والناس كالطيور: منهم من يحلق هنا وهناك ومنهم من يلتصق بهذه أو تلك .

قلـــــــبي يحــدثـــني ألا يليـــق به                 رضا بجهد ذليل اللب يرضيه

قد ثــــــار ثائر نـــفس عز مطلبها                أو طار طـــائر لب في مراقيه

كــــالنسر لا حاجب للشمس يحرقه               ولا الـصواعق والأرواح تفنيه

ليس الطـــموح إلى العلياء من سفه               ولا الســمو إلى حق بمــــكروه

أن لم أنل منه ما أروي الغليل بـــه              قد يحمد المرء ماء ليس يرويه

والقـــــانعون بمـــــا قد دان عيشهم               موت فإن هدوء القلــب يرويه

يــــــا قلب يهنيك نبع كل حـــرق               إلى الغرائب مــمـا غر ساميــــه

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى وهو يصف نفسه :

( وتلمح سير الكاملين في العلم والعمل ولا تقنع بالدون)

قال الشاعر:

ولم أر في عيوب الناس شيئا        كنقص القادرين على التمام

من هم سكان القمم ؟

هل هم بشر كسائر البشر؟ أم هم خلق آخر يعيشون على كوكب آخر ومن جنس غير جنس البشر؟

أنهم أيها الأحبة أناس مثلنا يعيشون قريبا منا على هذه الأرض لكن هممهم وعزائمهم تحلق في السماء .

سكان القمم لا يرضون لأنفسهم من كل شيء إلا أحسنه ومن كل أمر إلا أتمه وأجمله.

وقد قيل قديما: قدر الرجل على قد همته.

فبادر أخي الحبيب ولا يقعد بلك العجز عن الكمالات و تأمل سير السابقين فإنها للهدي منارات فمن جد في العلم كوفئ باحتياج الناس إليه ومن جد في بذل المعروف كوفئ بثناء الناس عليه ومن كان همه ما يأكله كان ثمنه ما يخرجه.

أين طلاب المعالي ؟ أين أصحاب الهمم العوالي ؟ أين من يحب الله صنيعهم ويبارك مسيرهم ؟

لا يسأل الكثير إلا من كان عقله يفكر بالكثير.

ولا يطلب العظيم إلا من كانت نفسه تسمو لكل عظيم .

إذا غامرت في شرف مروم      فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير       كطعم الموت في أمر عظيم

إن حياتك مغامرة كبيرة وإن لحظات عمرك مباراة خطيرة فإياك أن تخرج منها خاسرا قبل أن تبني لك بيتا في الجنة روى مسلم في صحيحه أن أبا بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر أنا قال فمن تبع اليوم جنازة …. فمن أطعم اليوم مسكينا ….فمن عاد منكم اليوم مريضا .. كل هذا وأبو بكر يقول أنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما اجتمعن في مريء إلا دخل الجنة ))[1]

عند مسلم أيضا من حديث أبي بكر مرفوعا : ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا قَالَ نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ))[2]

إن المكارم لا تتحصل بالمنى      لكن لها بالتضحيات سبيلا

فلكم سما للــــمجد من أجدادنا      بطل أقــام على السمو دليلا

فسل المعالي عن شجاعة خالد     وسل المعارك هل رأته ذليلا

وسل الحضارة إن رأيت بهائها      عمن أنــــــار لهديها القنديلا

عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك يوجه طلق ))[3] رواه مسلم .

وروى أن أعربيا سأل أناسا من أهل البصرى من سيد القوم في بلدكم؟

فقالوا :الحسن البصري.

فقال: بما سادهم ؟

قالوا: احتاج الناس إلى علمه واستغنى هو عن دنياهم.

إن سكان القمم أبعد ما يكون عن زخارف هذه الحياة الدنيا فقد استصغروا متاعها واحتقروا نتائجها وترفعوا عن الاستباق فيها فتحرروا من قيودها وهمومها يقول الحسن رحمه الله تعالى (( من نافسك في دينك فنافسه ومن نافسك في دنياك فالقها في نحره)).

روى الترمذي في جامعه عن أنس رضي الله عنه مرفوعا ((من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ))[4]

ويقول ابن الجوزي رحمه الله : ((يا هذا حب الدنيا أقتل السم وشرورها أكثر من الثمن))

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلنظر بم يرجع )) [5]رواه مسلم .

وعن جابر رض الله عنه مرفوعا : أن رسول ل الله صلى الله عليه وسلم مر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال أيكم يحب أن هذا له بدرهم فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به قال أتحبون أنه لكم قالوا: لا قال ذلك لهم ثلاثا فقالوا لا والله لو كان حيا لكان عيبا فيه أنه أسك)) [6]صححه الألباني في ا لأدب المفرد

هذا الحديث فيه تهوين أمر الدنيا وتحقيرها ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة في نظرته إلى الدنيا فلم يركن إليها ولا تعلق بها بل كان شأنه كشأن الراكب إذا استظل تحت شجرة .

الأمة الإسلامية اليوم تواجه عدوا شرسا كشر عن أنيابه وأظهر ما كان مستورا في قلبه هذا العدو ولا يمكن أن يواجه بأناس ذوي همم ضعيفة ولا بأناس تعلقوا بالدنيا .

و لا يكابر هذا العدو إلا سكان القمم .

لكم أضرنا غياب الزهد عن حياتنا فالزهد في الدنيا من أهم مقومات الصراع بين المسلمين وأعدائهم ومواجهة المكائد والمؤامرات التي يتعرضون لها الآن.

وإن الغفلة القاتلة أن يظن المسلمون أن عدوهم غافل عنهم فضلا عن أن يتوهموا أنه صديق لهم …. إلا إن تصوروا أن الذئاب والنمور تصادق فريستها.

أن عدونا يرقب بحذر و يقظة وتنمر صحوة المسلمين مع أن أصحاب الصحوة لم يسلموا من بني جلدتهم وأن عدونا يمد عينيه بطمع وشره واحتيال إلى ما بقي في أيدينا من ثروات فهو لا يرضي لنا عودة إلى ديننا و لا يرضي أن أ، اا  ا      تعبث فينا الحياة والقوة وتفتح أعيننا على مصالحنا كما أنه لا يرضى للغافلين من أن يهنئوا بما في أيديهم من ثروات فهل نفيق الآن؟

إن من أشد ما تصاب به أمة من الأمم أن يكون أفرادها دورهم ضعيف وعزائمهم واهنة  وتطلعاتهم قاصرة ير ى أحدهم نفسه قزما أمام المتغيرات الكبيرة والتحولات التاريخية فلا يفكر في التغير ولا البدء في مشاريع مستقبلية ومن هذا وضعه كيف يرجى له الشفاء؟

إن أرض الله واسعة لمن أراد تأسيس أعمال كبيره والطاقات متوافرة ولكنها بحاجة إلى عزيمة أكيدة وثقة بوعد الله.

لقد بعث الله موسى عليه السلام ليخرج قومه من الذل والاستعباد … إلى التمكين في الأرض والاسترواح بشرع الله .

لكن نفوسهم كانت ضعيفة صغيرة لا تستطيع العمل العظيم وذلك لما ألفوه من العبودية لفرعون فتصاغرت نفوسهم وهانت عليهم حتى لم يعودوا يرون أنها جديرة بمرتبة الاستخلاف في الأرض.

فلا بد أن ينعتق الفرد المسلم من مثل هذه الأجواء التي تفيده وتشعره بضآلته

لابد أن يقتنع المسلم أن عنده طاقات وقدرات يستطيع بها القيام بأعمال كبيرة.

إن معالي الأمور لا يبلغها إلا أصحاب الهمم العالية .

قال ابن القيم (( علو الهمة لا تقف دون الله تعالى ولا تتعوض عنه بشيء و لا ترضى بغيره بديلا)).

كان الأعرابي يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله حفنة من شعير قائلا يا محمد اعطني من مال الله ليس من مالك ولا مال أبيك هذه همة.

بينما همة ربيعة بن كعب همة فوق الشمس قال : كنت أبيت مع رسول الله فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي : سل فقلت أسألك مرافقتك في الجنة .

قال : أو غير ذلك قلت مرافقتك في الجنة .

قال: أو غير ذلك قلت هو ذاك .

قال : فأعني على نفسك بكثرة السجود .

حدث عن القوم فالألفاظ ساجدة    خلف المحاريب والأذان تبتهل

فانظر لهمة هذا الصحابي لقد كانت تحلق في سماء رفيعة وقمم شاهقة .

قال ابن القيم : ( فلله در الهمم ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها فهمة متعلقة بالعرش وهمة هائمة حول الأنتان والحش)).

سكان القمم جد في السلوك نشاط في العمل لا يعرفون التراخي والكسل ومن سنن الحياة أن الدنيا لا تعطي حصادها إلا لمن يزرعها ولا جناها إلا لمن يغرسها.

قال أحد السلف : (( إذا هممت بخير فبادر هواك لا يغلبنك وإذا هممت بشر فسوف هواك لعلك تظفر)).

النعيم لا يدرك بالنعيم ، ومن أثر الراحة فأتته الراحة ؟

وبحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة و اللذة.

فلا فرحة لمن لا هم له ولا لذة لمن لا جد له ولا نعيم لمن لا شقاء له ولا راحة لمن لا تعب له.

سكان القمم في كل وقت يقل عددهم لكن يجل قدرهم حتى إذا ما توا فهم أحياء فكم من أناس موتى تحيا بذكرهم القلوب وأناس أحياء تموت القلوب برؤيتهم .

قال الفاروق عمر (( لا تصغرن همتك فإني لم أر أقعد بالرجل من سقوط همته))

وقد قيل المرء حيث يجعل نفسه إن رفعها ارتفعت وأن قصر بها اتضعت.

نماذج ممن سكن القمم:

ابن مسعود قال: إنما أبكي أن المرض أصابني على حين فترة .

الإمام الطبري : جلس أربعين سنة وهو يكتب كل يوم أربعين ورقة .

ابن الأثير: ألف كتبه الجامع للأصول والنهاية في الغريب بسبب أنه مقعد.

ابن تيمية :ألف جل الفتاوى وهو في السجن .

ابن القيم : ألف كتابه زاد المعاد وهو مسافر .

القرطبي :شرح صحيح مسلم وهو على ظهر السفينة .

النووي : كان يقرأ كل يوم اثنا عشر درسا.

داود بن أبي هند : صام أربعين سنة لا يعلم أهله ولا أحد من الناس به.

سكان القمم من أشد الناس تعرضا للبلاء والفتن .

أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.

قال المناوي : معلقا على هذا الحديث(( ومن ظن أن شدة البلاء هوان بالعبد فقد ذهب لبه وعمي قلبه فقد ابتلي من الأكابر ما لا يحصى ألا ترى إلى زكريا ذبح وقتل الخلفاء الثلاثة وابن الزبير والحسين وابن جبير)).

والبخاري رحمه الله نفي من بلده وشيخ الإسلام سجن ومات في سجنه.

 

أقسام الناس في سكنى القمم:

1- من الناس من يطلب المعالى بلسانه.

2- من الناس من لا يطلب إلا سفاسف الأمور وهم فريقان:

أ‌- فريق ذو همة في تحصيل تلك الدنايا فتجده السباق إلى أماكن اللهو وهذا لو اهتدى فسيكون من السباقين إلى الحق و هذا همته عالية . كما في الحديث ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا))[7]

ب‌- فريق لا هم له فهو معدود في سقط المتاع وموته وحياته سواء.

3- ومن الناس من تسمو مطالبه إلى ما يحب الله ورسوله وله همة عظيمة في تحصل مطالبه وأهدافه وبين هذه الأقسام مراتب كثيرة متفاوتة.

الأمور المعينة على سكنى القمم

المجاهدة :فبدونها لا يتحقق شيء قال الله تعالى ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)))

1- الدعاء الصادق والالتجاء إلى الله فهو المسئول أن يقوى إرادتنا.

2- اعتراف الشخص بقصور همته وأنه لا بد أن يطورها يعلو بها ثم لا بد أن يعتقد أنه قادرعلى ذلك.

3- قراءة سيرة سلف هذه الأمة .

4- مصاحبة بعض من سكن القمم إذ القرين بالمقارن يقتدي.

5- مراجعة جدول أعمالك اليومية ومراعاة الأولويات والأهم ثم المهم وهذا أمر مفيد في تطوير الهمة إذ كلما كان ذلك الجدول بعيدا عن الرتابة والملل كان أجدى في معالجة الهمة.

6- العزم على الكمالات : فمن استوى عنده العلم والجهل أو كان قانعا بحاله وما هو عليه فكيف تكون له همة أصلا قال عمر بن عبد العزيز (( إن لي نفسا تواقة و إنها لم تعط من الدنيا شيئا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه فلما أعطيت مالا أفضل منه في الدنيا(يعني الخلافة) تاقت إلى ما هو أفضل منه يعني الجنة ))

7- التحول عن البيئة المثبطة : فالماء يفسد بقربه من الجيف وكذا الهواء فكيف بأنفاس العصاة.

8- واقع المسلمين المر : في تاريخ الأمم كبوات وعثرات إلا أن الأمة الحية تنهض من كبوتها وتجتاز آلامها بل تكون الآلام باعثة لها على العمل والجد والكفاح حتى النصر.

9- الابتعاد عن كل ما من شأنه الهبوط بالهمة وتضييعها: إن كثيرا من الشباب له رغبة ملحة في أن يكون من سكان القمم وبعضهم لا يدري من أيد يبدأ ولعل الانخراط في المؤسسات العلمية والدعوية هو خير وسيلة لتفريغ طاقات الشباب (( من خاف أدلج ون أدلج بلغ المنزل إلا أن سلعة الله غالية ألا أن سلعة الله الجنة))[8]


[1] – مسلم  3/92

[2] البخاري 4/569

[3] -مسلم 8/37

[4] – سنن الترمذي 4/642

[5] – مسلم 8/156

[6] -الأدب المفرد 1/376

[7] -البخاري3/122

[8] – السلسلة الصحيحة 1/637

اضافة تعليق

اضغط هنا للتعليق