تابعنا على

المقالات المقالات والخواطر

أهمية الرفق واللين في الدعوة

الرفقلاشك أن الرفق واللين محبوبان إلى القلوب ، وأن الفظاظة والغلظة تنْفر منها القلوب حتى لو كان ذلك من خيرة خلق الله ، قال تعالى مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام : ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾[ آل عمران : 159] .

إن الداعية مطلوب منه أكثر من غيره ، أن يتخلّق مع المدعوين بهذين الخلقين العظيمين ، كما تخلّق بهما من قبله سيّد ولد آدم عليه الصلاة والسلام . وللداعية الأسوةُ الحسنة به صلى الله عليه وآله وسلم ، قال جل وعلا : }لقد كان لكم في رسول الله أسـوة حسنة{[الأحزاب : 21] .

والناس بطبيعة الحال – إلا من رحم الله – ينشأ عن كثير منهم نفور من الداعية ؛ وذلك لأن الداعية يتبنى أموراً كثيرة تخالف رغباتهم وشهواتهم ، فيدعوهم إلى ترك ما تعوّدوا عليه وتشتهيه أنفسهم ، ويأمرهم بفعل أشياء ما اعتادوا فعلها من قبل ، وهكذا…

ولقد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم باتّباع أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة فقال : ﴿ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾[النحل : 125] ، وقال لنبيه : ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾[آل عمران :159] . وحث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الرفق فقال : «ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، وما نزع من شيء إلا شانه» .

ما المقصود بالرفق واللين :

المراد بالرفق : هو ما بيّنه أئمة اللغة بأنه : «ضد العنف»([1]) .

وقال آخرون : الرفق : «لين الجانب ، ولطافة الفعل»([2]) .

وقال آخرون : الرفق : «لين الجانب بالقول والفعل ، والأخذ بالأسهل وضد العنف»([3]) .

وأما اللين : فهو كما ذكر أيضاً أئمة اللغة بأنه «ضد الخشونة»([4]) .

وهذه الكلمة أعني (اللين) جاء بعض مشتقاتها في القرآن الكريم ، فقال تعالى : ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾[آل عمران : 159] .

قال الإمام البغوي : «أي سهلت لهم أخلاقك ، وكثر احتمالك ،ولم تسرع إليهم بالغضب فيما كان منهم يوم أحد»([5]) .

وقال ابن الجوزي : «وقال قتادة : ومعنى (لنت) : لان جانبك ، وحسن خلقك ، وكثر احتمالك»([6]).

قلت : وهذه المعاني كلها صحيحة .

وليس المراد باللين : (المداهنة) ، بحيث لو لقي الداعية رجلاً فاسقاً مجاهراً بفسقه ، سكت عليه ، ولم ينكر ولو بقلبه .

بل المراد من اتصاف الداعية بهذين الحلقين  : أن تكون دعوته بعيدة عن العنف والخشونة والشدة والقسوة .

ولهذا فسّر بعض المفسرين قول الله تعالى لموسى وهارون ، عندما أمرهما بالذهاب إلى فرعون : ﴿فقولا له قولاً ليّنا﴾ بأنّ المراد : دارياه ، وأرفقا به([7]).

فالمداراة هي : الرفق بالجاهل في التعليم ، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه ، حيث لا يظهر ما هو فيه ، والإنكار عليه بلطيف القول ، ولاسيّما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك([8]).

ولأهمية هذين الخُلقين أمر الله أنبياءه عليهم السلام به :

1-    موسى وهارون : قال الله تعالى لهما : ﴿اذهبا إلى فرعون إنه طغى . فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾[طه : 43-44] .

قال القرطبي : «فإذا كان موسى عليه السلام أمر بأن يقول لفرعون قولاً ليّناً ، فمَن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه ، وأمره بالمعروف في كلامه»([9]) .

2-    نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم : قال الله تعالى في محكم كتابه : ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾[النحل : 125] . قال الزمخشري في كشّافه : «وجادلهم بالتي هي أحسن »: بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف»([10]) .

وقد أمرنا الله تعالى أنْ إذا جادلنا أهل الكتاب ، فلا نجادلهم إلا بالتي هي أحسن ، فقال سبحانه : ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾[العنكبوت : 46] .

قال العلامة الآلوسي في تفسيره : «﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ أي بالخصلة التي هي أحسن كمقابلة الخشونة باللين ، والغضب بالكظم ،والمشاغبة بالنصح ، والثورة بالأناة كما قال سبحانه : ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾»([11]) .

الرفق يحبه الله :

واعلم أيها الداعية إلى الله ، أن الرفق صفة يحبها الله تعالى ، بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه به ، فقال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها : «إن الله رفيق يحب الرفق…  الحديث» .

الرفق يزينّ الأشياء :

والأمور تتزيّن بمخالطة الرفق لها ، وتصبح مشينة إذا انتزع الرفق منها ، ففي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «لا يكون الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه» .

ثم عليك أيها الداعية أن تحرص على أن تفوز بدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال عليه الصلاة والسلام كما في مسند الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها : «اللهم من رفق بأمتي فارفق به ، ومن شق عليهم فشق عليه» ، وللحديث ألفاظ أخرى .

صاحب الرفق مأجور :

وعليك أن تحرص على نيل الأجر من الله تعالى ، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام قال : «إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ، وما لا يعطي على ما سواه» .

وصيّة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالرفق :

ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى عندما بعثهما إلى اليمن أن يتحلّيا بالرفق واللين ، ففي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهما : «يسّرا ولا تعسّرا ، وبشّرا ولا تنفّرا» .

أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالرفق بالجاهل :

ففي سنن ابن ماجه من حديث عباد بن شرحبيل t قال : أصابنا عام مخمصة ، فأتيت المدينة ، فأتيت حائطاً من حيطانها ، فأخذت سنبلاً ، ففركته وأكلته ، وجعلته في كسائي ، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي ، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فقال للرجل : «ما أطعمته إذا كان جائعاً أو ساغباً ، ولا علمته إذا كان جاهلاً؟ »

فأمره النبيّ فرد إليه ثوبه ، وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق . فصلوات الله وسلامه عليه ، ما أرأفه وما أرحمه.

صور من رفقه عليه الصلاة والسلام :

1-    رفقه مع الذي تكلم في الصلاة (معاوية بن الحكم السلمي) : روى مسلم في صحيحه من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه قال : بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم ، فقلت : (يرحمك الله) . فرماني القوم بأبصارهم ، فقلت : واثكل أميّاه ما شأنكم تنظرون إليّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلمّا رأيتهم يصمتونني سكت ، فلمّا صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم – فبأبي هو وأمي- ما رأيت معلّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فوَ الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني ، قال : «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن »، أو كما قال صلّى الله عليه وسلم .

2-       رفقه بالغلام الذي كانت تطيش يده في الصحفة (عمر بن أبي سلمة) :

روى مسلم في صحيحه عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال : كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا غلام ، سمّ الله تعالى ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك» .

3-    رفقه بالأعرابي الذي بال في المسجد :

روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاء أعرابي يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : مه مه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تزرموه دعوه» . فتركوه حتى بال ، ثم أُتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر ، إنما هي لذكر الله عز وجل ، والصلاة ، وقراءة القرآن» ، ثم أمر عليه الصلاة والسلام رجلاً من القوم ، فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه .

أقوال بعض أهل العلم في هذا الأمر :

سئل الإمام أحمد كما في كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) للخلال .

فقيل للإمام : كيف ينبغي أن يأمر؟ أي بالمعروف .

فقال : يأمر بالرفق والخضوع ، ثم قال : إن أسمعوه ما يكره لا يغضب ، فيكون يريد ينتصر لنفسه .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في كتابه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) : «فلابد من هذه الثلاثة : العلم , والرفق ، والصبر» . العلم قبل الأمر والنهي ، والرفق معه ، والصبر بعده ، وإن كان كل من الثلاثة لابد أن يكون مستصحباً في هذه الأحوال .

الإمام أحمد بن محمد المقدسي كما في مختصر منهاج القاصدين : «قال بعض السلف : لا يأمر بالمعروف إلا :

1-        رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه .

2-        حليم فيما يأمر به حليم فيما نهى عنه .

3-        فقيه فيما يأمر به فقيه فيما ينهى عنه” .

هذا هو الأصل في الدعوة أن تكون برفق ولين ، وهناك أحوال ومواطن يجوز للداعية أن يستعمل الشدة فيه ، فقد استخدم ذلك سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم وذلك في مثل :

1-       إذا ظهر من المدعو عناد أو استخفاف في الدين .

2-       عند انتهاك حرمات الله .

3-       عند الشفاعة في حدود الله وغير ذلك .

أسأل الله تعالى أن يرزقنا الرفق واللين في دعوتنا ، وفي أمورنا كلها ، كما أسأله سبحانه أن يهدينا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلا هو ، وأن يصرف عنّا سيئها ، لا يصرف عنها سيئها إلا هو ، إنه سميع مجيب ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


[1]انظر الصحاح للجوهري .

[2]– انظر أساس البلاغة للزمخشري.

[3]– انظر فتح الباري للحافظ ابن حجر (10/449) ، وعمدة القاري للعيني (22/11).

[4]– انظر الصحاح للجوهري.

[5]– تفسير البغوي (1/365).

[6]– زاد المسير (1/486) .

[7]– انظر تفسير البغوي (3/219) .

[8]– انظر فتح الباري (1/528) .

[9]– انظر تفسير القرطبي (11/1-2).

[10]– تفسير الكشاف (2/435).

[11]– تفسير الآلوسي ، روح المعاني (21/2).

اضافة تعليق

اضغط هنا للتعليق